تحديد المساطر والحرص المؤسساتي على تطبيقها أساس تقوية عمل المنظمات الحكومية وغير الحكومية
الحسين بوخرطة
مما لا شك فيه أن تحديد المساطر والحرص على تطبيقها بالدقة المتناهية يعدان من الشروط الضرورية لضمان نجاعة عمل المنظمات المختلفة سواء كانت حكومية (مختلف السلط المركزية والإدارات في مجالي اللاتمركز واللامركزية المحلية والإقليمية والجهوية)، أو غير حكومية (الأحزاب السياسية، النقابات العمالية، الجمعيات المطلبية والتنموية، التعاونيات، والفيدراليات،.
.
.
.
إلخ).
فقبل توضيح ذلك في النقطة الثانية من هذا المقال، سنحاول في النقطة الأولى تحديد مفهوم المسطرة.
مفهوم المسطرة
المسطرة هي مجموعة من القواعد والضوابط التي تنظم الأنشطة المتسلسلة في المكان والزمان لمنظمة ما من أجل الوصول إلى تحقيق الأهداف المنشودة (مثلا الهدف الذي تطمح إلى تحقيقه قيادة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية هو العودة إلى الوهج النضالي والتنظيمي الذي ميز تاريخه السياسي في الستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات)، بحيث يكون تحقيق هذه الأهداف بمثابة حصيلة لجهود تنظيمية حريصة على تقديم الأجوبة الشافية للأسئلة التالية: من يفعل ماذا؟، وأين؟، ومتى؟، وكيف؟، وبأي وثيرة؟ ولماذا؟.
بالفرنسية تسمى هذه الأسئلة المتسلسلة ب QQOQCCP، أي: Le Qui fait Quoi ?, Où ?, Quand ?, Comment ?, Combien ? et Pourquoi ?.
وبالإنجليزية تسمى هذه الأسئلة ب 5W2H، أي: Why ?, What ?, Whese ?, When ?, Who ?, How ? and How much ?.
فالجواب الموضوعي على هذه الأسئلة المتسلسلة من طرف أي منظمة كيف ما كانت طبيعة أنشطتها (سياسية، اقتصادية، إدارية، ثقافية،ّ.
.
.
.
)، يمكنها من تجميع المعلومات الكافية في شأن حدوث المشاكل أو احتمال حدوثها، وبالتالي ترتيب الأسباب التي كانت وراء ذلك والوقوف على السبب الرئيسي.
وعليه، فمفهوم المسطرة لا يمكن أن يكون مرادفا لنمط تفعيلي عملياتي صرف (يصف كيفية انجاز عملية معينة)، بل هو، في مدلول معيار الجودة إيزو 9001، مجموعة من الضوابط والقواعد والآليات التي تمكن من الإجابة المقنعة على الأسئلة المتسلسلة السالفة الذكر، أسئلة بأجوبة يجب أن تخضع للتقييم من طرف أجهزة الخبرة الداخلية أو أجهزة خبرة الجودة (Audit interne ou Audit de qualité).
إن المسطرة، نظريا وعمليا، ليست مرتبطة بقضية معينة، بل هي مرتبطة بكل مناصب المسؤولية، ومراكز العمل، ومختلف المصالح المكونة للمنظمة.
فبالمساطر الدقيقة تتمكن هذه الأخيرة من تقييم الأوضاع، واستباق حدوث المشاكل، وتدبير المخاطر الداخلية والخارجية، والوصول، في نهاية المطاف من خلال مسار تراكمي، إلى مستوى تثبيت منظومة دائمة للمراقبة تمكنها من جمع المعلومات الضرورية لإطلاق التحذيرات المسبقة مبكرا، واتخاذ التدابير الوقائية في الوقت المناسب، أي قبل فوات الأوان.
دور المساطر في تقوية نجاعة المنظمات الحكومية وغير الحكومية
عندما يتم الحديث عن ضرورة ربط الفعل والمبادرة داخل المنظمات بالمساطر، يعني ذلك ضرورة إخضاع كل مناصب المسؤولية، والمواقع التنظيمية، والمكلفين بمهام بداخلها، لقواعد وضوابط واضحة ودقيقة، ومتوافق بشأنها، ومصادق عليها ديمقراطيا، قواعد وضوابط تضمن النجاعة والتكامل والتناغم في الأداء الشمولي للمنظمة.
وبذلك تكون المساطر هي المرجع الدائم والأساسي لتقييم أعمال وأفعال وأقوال الأشخاص الممارسين مهامهم بداخل منظمة ما، تقييم يمكن من استدراك الهفوات، وتجاوز الأخطاء، ومعالجة التأثيرات الجانبية للأفعال وردود الأفعال المباغتة المتجاهلة لمساطرها وأهدافها، بحيث تشكل هذه الأخيرة في العمق الأساس الذي خلقت من أجله وتسعى بكل ما لديها من جهد من أجل تحقيقها.
وعندما نثير هنا مسألة الأهداف بالنسبة لمنظمة ما فإننا نريد من وراء ذلك أن نثير انتباه منخرطيها والفاعلين بها إلى كون الحرص على مصلحتها من خلال مضاعفة الجهد من أجل تقويتها على منافسيها ما هو في العمق إلا تقوية لمواقع المنتمين إليها.
فالمساطر هي آلية مؤسساتية ضرورية لضبط الممارسات بداخل منظمات الانتماء، وتقوية التعاون والتضامن والتآزر والتكامل بين كل المنخرطين الفاعلين فيها.
هي أيضا آلية للوقوف على الأخطاء، وتصحيحها، وتعميم الفائدة بشأن طبيعتها والوسائل التي سخرت من أجل تجاوزها.
باحترام المساطر تتمكن المنظمات من ضمان المرونة والسلاسة والسيولة في تعميم الخبر وتبليغه، وبالتالي ارتقاء تنظيم العمل بها إلى مستوى المنظومات ذات الأنساق الواضحة، منظومات بقدرات كبيرة تمكنها من تتبع كل الأفعال وردود الأفعال بداخلها، وتقييمها وتعميم الفائدة الإيجابية بشأنها، وتحقيق التراكمات المطلوبة بمنطق تدرجي في مجال الشفافية والموضوعية والاستحقاق وتساوي الفرص.
وكلما ازداد حجم المكتسبات في هذه المجالات، كلما ضمنت هذه المنظمات النجاعة والمردودية في العمل، وكلما ازدادت قوة أجهزتها القيادية في مواجهة المنافسين والمناوئين لها، وفي معالجة الاختلالات الداخلية وتأثيراتها السلبية بالسرعة والتحفظ المطلوبين.
إن تطوير المساطر، وضمان الحرص المؤسساتي على تطبيقها، يجنب المنظمات، كيف ما كان نوعها، الوقوع في وضعيات المبالغة في السلوكيات والنزعات البطولية الأنانية، وبالتالي إضاعة الوقت في الدفاع عن النفس من جراء تكرار الاعتداءات العنيفة من الداخل والخارج عوض الانكباب على تعميم الوعي بمساطر تدبير شؤونها الداخلية وعلاقاتها الخارجية وأهدافها على المدى القريب والمتوسط والبعيد على كافة منخرطيها خاصة الجدد منهم من كل الفئات العمرية.
خاتمة
باحترام المساطر داخل المنظمات يتحقق التناغم والتكامل بين الحقوق والواجبات في كل ميادين ومجالات تدخلها، ولا يمكن أن يساهم منطق التفاعل المدروس والمضبوط بداخلها إلا في الرفع من مستوى الجودة في الفعل وفي المنتوج (جودة الضوابط، والمعايير المعتمدة، والنماذج المسوغة، والقواعد التنظيمية المعتمدة، والعلاقات المؤسساتية الداخلية والخارجية، والمسؤوليات التسلسلية،.
.
.
.
)، وبالتالي توفير شروط التنافس المشروع بداخلها وخارجها على أساس خدمتها وتقوية نفوذها، وتحقيق الامتياز في خدمة المجتمع والدولة.