ما كان لله دام واتصل
محمد هرار
ما كنت لأكتب عن هذا الموضوع، لولا شعارات زائفة براقة خدّاعة رُفعت هنا وهناك من طرف بعض الذين اعتلوا المنابر مغتصبين الصدارة في مختلف الأحداث والنوازل.
.
.
خُطب رنّانة وأحيانا نارية غاب عن أكثرها الورع والإخلاص وتشوّش بها الهدف، حتّى انتابني شعور مخيف وخشيت أن يكون الكلام مجرّد تجارة قد نجح في عرضها تُجّارُ الكلام.
.
.
لست من أهل التخصّص ولا أدّعي أنّي من أهل العلم والمعرفة، ولكنّي أربأ بنفسي أن أصطفّ مع المصطفّين ضدّ قضايا المسلمين التي كُتب لها نتيجة قلّة العلم وعدم فقه المحيط أن يشوبها الكثير من الخلط والتلبيس المؤدّيان إلى المغالطات والتحريفات يقترفها المنحرفون كلٌّ لمرض في قلبه وانحراف في نفسه وغشاوة على بصيرته.
.
.
نتحدث نحن المسلمين عن ضرورة وجود النوع والصنف الجيّد الذي يقدّم للنّاس الصورة اللائقة بالمسلمين كي يُروا فاعلين إيجابيين ومنتجين يحدثون الفارق في بلدان إقامتنا بين غيرنا من غير المسلمين، أو نأمل على اللأقلّ ذلك.
لقد بات الجميع يتحدث بإسهاب عن المسلم السياسي والمسلم الإعلامي والمهندس والدكتور المتخصص والمربي والعالم في شتّى الاختصاصات!.
.
.
كلنا ينشد ذلك البديل في مجمعاتنا وخصوصا في أماكن إقامتنا هنا في الغرب، حيث نتعرّض إلى الكثير من الحرج نتيجة عدم الاطّلاع الآخر بما يكفي على خصوصياتنا التي لا بدّ أن تلقى المعاملة الخاصّة، كما تجد الأقيات غير الإسلامية في بلداننا من العناية والرعاية والإهتمام والتفهم الكافي والشافي.
تلك المعاملة التي تأخذ بعين الاعتبار خلفياتنا التي جئنا بها من بلداننا والتي لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يقع التفريط فيها ولو كان باسم الاندماج الذي أخطأ بعض الساسة في الغرب عموما في رؤيته انصهارا مُذهِبا للذات والهُويّة.
.
.
وقد كان يمكن أن يقع السعي لدى هؤلاء قصد تغيير قناعاتهم لو لم يتعلّق الأمر ببعض سلوكيات شبابنا الذين اهتمّوا بالظاهر والقشور دون الباطن والجوهر، أو تعلّقوا بالأحرى بذاتهم ينمّونها ويُجلسونها على وسائد الشهرة دون كثرة عناية أو اهتمام بالمسلمين الذين نذروهم لخدمة المسلمين في هذه البلاد.
.
.
بل لقد فاجأتنا الأيّام بانقلاب بعضهم على ما كان يبدو من مبادئه، فهلك وأهلك، وضعُف وأضعف، وافتُتن وأراد فتنة النّاس معه.
.
.
لقد حصلنا في الحقيقة على النوع غير المرجو وغير المأمول، بل كانت النتائج للأسف أحيانا عكسية تماما.
ويبقى عزاؤنا في أنّهم قلة في وقتنا الراهن.
فقد بتنا للأسف نحارب بأدواتنا التي صنعتها أيدينا، وقد وُظّف للأسف من كنا نعول عليه في المرافعة عن قضايانا المحقة للمرافعة بهدف إغراقنا وإتلاف حقوقنا.
وهؤلاء يصدق فيهم قول الإمام الحسن البصري رحمه الله تعالى: (رحم الله عبدا وقف عند همّه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر).
.
.
بمعنى أفصح وأدق، إسأل نفسك أيّها المسلم عن كل تصرفاتك وما تقترفه جوارحك.
هل هي فعلا لله؟ أم هي لغيره؟ إسأل نفسك وقف معها وقفة صدق ولو للحظة قبل رحيلك من هذه الدّنيا الفانية.
سواء ولدت في الدّانمارك، أو جئت إليها من بلدك مهاجرا، عزيزا كنت أم ذليلا، مختارا أم مضطرا.
.
.
تصلي، تحج وتعتمر تفعل الخيرات، وتبر والديك، تُعلم الناس الخير، تدافع عن نبيك وعن دينك وإخوانك في لحظات فارقة.
.
.
اعرف أيها الشاب أيتها الشابة موقعك من هذه المعاني، وتذكر قول نبيك صلّى الله عليه وسلّم: (من عمل عملًا وأشرك فيه غيري تركته وشركه).
فالوقت لا يزال معك للتفكير والتمحيص.
ولِمَ لا، العودة والتوبة والإنابة!؟ ما المانع من ذلك!؟
رغم أن النفوس قد جبلت على حب الثناء عليها، واجتناب اللّوم والمذمة لها، إلا أنه مع ذلك وجب التحوط ما أمكن من الوقوع فريسة في حبال الشيطان الذي لا يفتأ يزين للعبد ويدفعه للشهرة والظهور في هذه العاجلة الفانية على حساب الآخرة الباقية.
طبيعي أن لا يكلفنا ربنا سبحانه وتعالى ما لا نطيق من الأعمال والأقوال، إلا أن الأمر يحتاج منا كما أسلفت وقفة صدق حتى نعالج ما قد يتسرب إلي دواخلنا فيفسد علينا أعمالنا التي هي حصيلة تحركنا هنا وهناك، علينا الحذر المستمرّ من الرياء وحب الظهور والسمعة، علينا الحذر من فتنة النقص في المال والضيق في الرزق وغياب الأحبّة والبعد عن الأوطان.
.
.
كل هذه الأمور وإن كانت صعبة على النفوس، لكنها غير مسوغة لنا على الإطلاق أن ننسلخ من جلدنا كالأفعى أو العنكبوت.
مشاكلنا بالفعل كثيرة ومثيرة وقاهرة، لا شك في ذلك، وفينا من الظّالمين والمسترزقين بالدّين والمتطفلّين على الدّعوة والعمل المؤسّساتي ما يعلمه هو سبحانه.
لكن يجب أن يبقى خلافنا خلافا داخليّا لا يطفو خارج أسوارنا، خصوصا فيما يتعلّق بأمر الدّين وما ينتج عنه من تباين في وجهات النظر المختلفة الحمّالة الأوجه، فلا ننكر في خلاف ولا نفجر، ولا نركن للأعداء على حساب قضايانا الخلافية بما فيها من تباين وربما من ظلم وإجحاف ونجعل ذلك سبيلا ومطية وركوبا سهلا للشهرة والمتعة وحب الظهور.
الكثير منّا بلاشك قرأ في السيرة المطهرة قصة المخلّفين الثلاثة، كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال ابن أبي أمية عن غزوة تبوك، مع العلم أنه لم يتخلف عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم في تلكم الغزوة بالذات إلا أصحاب الأعذار والمنافقون.
وقرأنا كيف أنّه لمّا رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة سارع أصحاب الأعذار للاعتذار له صلّى الله عليه وسلّم.
.
.
في حين تريّث كعب وصاحباه.
.
.
والقصّة بطولها موجودة في كتب الحديث والسيرة بل لقد خلّد الله ذكرها في القرآن الكريم، فقد قال تعالى: [وعلى الثلاثة الذين خلّفوا حتّى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنّوا أن لا ملجأ من الله إلّا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم].
.
.
والذي أريد الوقوف عنده للعبرة والعظة هو ما تعرّض له أحد الثلاثة، الصحابي الجليل كعب بن مالك.
.
.
فبالإضافة إلى ما ناله من مقاطعة الصحابة، بل والمجتمع المسلم برمته في المدينة المنورة؛ يقول رضي الله عنه وأرضاه: (فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ وَتَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الْأَرْضُ فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ).
.
.
ثمّ جاءه الامتحان الكبير!.
.
.
قَالَ رضي الله عنه: (فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّأْمِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ فَإِذَا فِيهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ).
.
.
تماما كما يحدث للنّاس اليوم.
.
.
تتلقّفه الأحضان المترصّدة حتّى إذا غنمت منهم الشقاق وضرب صفّ المسلمين رمتهم ولم تبال!.
.
.
قال: (فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا وَهَذَا أَيْضًا مِنْ الْبَلَاءِ فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ بِهَا).
.
.
وكذلك يجب أن يكون المسلم متيقّضا لا تغريه لعاعة من الدنيا زائلة ولا يغويه الشيطان بما سوف يكبّه على مناخره في النّار إذا تعذّرت التوبة عياذا بالله تعالى!.
.
.
فقد تعرّض بعض أبناء المسلمين هذه الأيّام في الدّانمارك وخارجها إلى مواقف شبيهة بما تعرّض له سيّدنا كعب لولا أنّهم ما كانوا في ضيق كعب ولم يتعرّضوا لما تعرّض له هو من مقاطعة حرم بها حتّى مجالسة الحبيب صلّى الله عليه وسلّم!.
.
.
فما بال الهامات تدنو كثيرا وما بال القامات تقصر حتّى تلتصق بالأرض!.
.
.
لقد كان حريّا بهؤلاء النّاس أن يقتبسوا من السيرة ما به يتقوّوا على المحن والفتن وقد وقفوا يوما أمام النّاس مدافعين عن الحبيب المصطفى!.
.
.
ما كان لهم أن يسلموا أنفسهم لملوكِ غساسنة العصر رخيصة ذليلة يلعب بها المستهزئ بالدّين والمعادي للمسلمين يمنة ويسرة!.
.
.
فقد بات عكّاري “المنافح” عن الرّسول صلّى الله عليه وسلّم زمن ما عرف بالرّسومات الخبيثة والفترة التي تلتها (بين سنتيي 2005 و2008) مجرّد دمية تافهة لا حراك بها في يد ناصر خضر عشيق وسائل الإعلام الدّانماركيّة الباحثة عن الإثارة والبهرجة والفرجة المخمّرة للحقيقة اللاعبة بأمثاله ممّن علمت أنّهم قد باعوا بلدهم ثمّ أهلهم بعد أن انسلخوا عن دينهم، فراقبته وأتباعه من قيبل يحيا حسن، بملاحظة “خائن يجب الحذر منه”!
لقد سعد المسلمون طويلا ولا سيّما الشباب منهم بصولات عكّاري عبر الشاشات الدّانماركيّة، يقارع الحجّة بالحجّة فيصرع محاججيه وعلى رأسهم مالكه الحالي ناصر خضر، وما انتبه النّاس كثيرا إلى نفس قد آواها بين جنبيه كبّرته حتّى ما عاد يرى غير نفسه.
.
.
يحرق الأخضر واليابس من أجل نفسه!.
.
.
فإنّه لمّا انتهت الأزمة واستوعبت الدّانمارك الدّرس بشكل أو بآخر، وجد الرجل المسكين الطموح ــ الذي لا يزال يسكنه طفلا مدلّلا ــ كما عهدناه أثناء الأزمة الساطع نجمه قد أبعد عن الأضواء الكاشفة التي رافقته طيلة ثلاث سنين، ورأى أنّ نجمه قد أفل ولم يعد له أية قيمة مضافة لا في أوساط الجالية المسلمة، ولا في الوسط المجتمعي الكبير الدّانمارك.
صحيح أنه تعرض لمضايقات وحصار وتنكّر من القريب كما البعيد.
.
.
، لا شك في ذلك، وكلّ كلمة مسطر تحتها لها دلالتها، ولكنّ الظرف لا يسمح بالتفاصيل.
.
.
ولكنّي على العموم أجزم أنه وجد نفسه بلا شك في أوضاع قد سرقت منه بريق الشهرة والنجومية والدّلال، فحاول العودة إليها هذه المرة من باب الباطل والزور والكذب والبهتان، راجيا من المجتمع الدّانماركي تصديق خرافاته ودجله، بل والصفح عنه من خلال اعتذار خادع ومحاضرات تنم عن الخبث والخداع هنا وهناك.
.
.
اليوم ومن خلال خرجاته الإعلامية والتقريرية يؤكد “أحمد عكاري” محترف الدّجل والكذب، أنه أرتكب أخطاء مميتة في حق مملكة الدّانمارك أثناء أزمة الرسومات المسيئة للنبيّ محمد صلى الله عليه وسلّم، وهو يشهد بعظمة لسانه بما يصرّح.
هو الوحيد اليوم الذي يتحدث عن أزمة مضى عهدها وانقضى لا أعادها الله علينا، وما قام به من أعمال أضرت بالدولة الدّانماركية التي اعتبرتها أكبر أزمة مرت بها البلاد بعد الحرب العالمية الثانية، وكلامه مسجل بالصوت والصورة وقد سمعه وشاهده المجتمع الدّانماركي برمته.
فلماذا لا يحاكم هذا المتعاظم الصعلوك بالجرائم التي سببها في العالم على حدّ اعترافه من اتصال بتنظيم القاعدة وحزب الله في لبنان.
.
.
و حرق سفارة الدّانمارك وسقوط ضحايا في البلدان الإسلامية التي عمتها المظاهرات والاحتجاجات؟!.
.
.
نعم يُحاكم بدل أن يرمي أوزاره على المسلمين فيُرَوا – كما يريد تقديمهم – متخلّفين محتالين مدلّسين وكاذبين غير حضاريين!.
.
.
فقد تكون محاكمته خيرا له وللمسلمين، وقد يستوعب بها ثمرة ثبات كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه في وجه إغراءات ملك غسّان، ويتصوّر بعد ذلك أو يذوق حلاوة التوبة!.
.
.
قال كعب رضي الله عنه: (وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إِلَى قَوْلِهِ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).
.
.
قال: (فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: [سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ.
إِلَى قَوْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنْ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ].
.
.
فهلّا استمع أحمد العكّاري وجميع من زلّت به قدمه أو هو في شكّ يراوده إلى هذا الكلام السامق فيتلذّذ مع كعب نعمة الصدق مع الله تعالى ومع رسوله صلّى الله عليه وسلّم، فلا يكون بالكذب مع الفاسقين ومنهم!.
.
.
اللهمّ اهد شبابنا فإنّهم لا يعلمون!.
.
.
كتبه محمد هرار في ماي، 2014
الدّانمارك