المهاجر المغربي بين حق المواطنة … والإقصاء

أحمد اصغيري

ساد في العقد الأخير لغط بين الشباب المغربي حول الهجرة إلى الخارج واعتبروها ملاذا للهروب من البطالة وإنقاذا لأسرهم من الفقر و سبيلا للعيش الكريم ,والمحظوظ من هؤلاء الشباب من صادف قشة وعض عليها لتوصله إلى بر الأمان وتنقذه من براثين البطالة التي تدمر في الشباب روح المبادرة والطموح ولسنا هنا بصدد الخوض في مؤهلات المهاجرين العلمية والمهنية وما صرفت عليهم الدولة ليصبحوا أطرا جاهزة للاستغلال من طرف دول الاستقبال والتي لم تكلف نفسها عناء التكوين و التأطير وحصلت بالمجان على أدمغة ثمينة وذات جدوى اقتصادية في الوقت الذي فشلت فيه الدولة في استيعاب واستغلال هذه الطاقات البشرية للنهوض بالأمة اقتصاديا وصناعيا واجتماعيا بل للأسف تعتبرهم عبئا عليها تماما كالأم التي تتعب في حملها وتربية طفلها وفي الأخير تتخلى عنه لتستفيد منه امرأة أخرى دون عناء لكن هيهات هيهات أن تعوض الطفل عن أمه ولا الطفل يشبع غريزة الأمومة لدى هذه المرأة وهذا هو حال المهاجر بالخارج.

السؤال إذن الذي يطرح نفسه بشدة ويؤرق علماء الاجتماع الغيورين على وطنهم : هل الهجرة إلى خارج الوطن سواء نحو الغرب أو نحو الشرق ستحيي في المهاجر المغربي روح المواطنة أم ستقتلها فيه للأبد بحكم المعاناة التي عاشها  في المغرب مقابل ما قدم له بلد الاستقبال من فرص عمل وعيش كريم؟
من خلال تجربتنا المتواضعة في الغربة وبحكم اهتمامنا بالمشاكل السوسيو اقتصادية  تقصينا أراء كثير من المهاجرين ولمسنا فيهم نزعة حب الوطن والحنين للرجوع إليه بالرغم من الاكراهات التي سيواجهونها إذا عادوا إليه واعتبروا أنفسهم جزءا منه حيث تربطهم به مصالح اجتماعية واقتصادية بحكم أن أغلب المهاجرين يقومون بتحويل كل أموالهم إلى المغرب وهم يساهمون بذلك في جلب العملة الصعبة وزيادة النمو الاقتصادي من خلال استثماراتهم.

لكن في المقابل ما ذا قدمت لهم الدولة في بلاد الغربة وهل سنسمع يوما من الأيام على الأقل كما تفعل قنصليات بعض الدول الغربية التي تحتفظ بقاعدة بيانات هواتف مواطنيها وتتصل بهم من حين لآخر وتسأل عن أحوالهم وهل لديهم مشاكل تستدعي تدخلا دبلوماسيا فنحن هنا في السعودية لدينا أصدقاء أمريكيين وكنديين تتصل بهم القنصلية وتطمئن عليهم و لسان حالها يقول انتم مواطنونا ولولاكم ما وجدنا هنا والحال أن هؤلاء الغربيون لا تستفيد منهم دولتهم لأنها لا تعتمد على تحويلاتهم في الموازنة العامة للدولة لكن يريدون أن يرسخوا فيهم مبدأ المواطنة.
فكيف بنا نحن حيث تعتمد الدولة على تحويلاتنا وتنقذها من أزمات اقتصادية واجتماعية ولا نلقي نفس الاهتمام الذي توليه الدول الغربية لرعاياها في الخارج فكيف إذن لشريحة مهمة من المجتمع (المهاجرون) تساهم في اقتصاد الوطن ولا تساهم في صنع القرار عن طريق تمثيلها في المؤسسات التشريعية ولا حتى على الأقل أن تساهم في اختيار من سيدير شئون البلاد وهذا من ابسط واجبات المواطنة فكيف إذن تطلبون منا شيئا (حب الوطن)انتم تحرمونا منه عبر إقصائنا من العملية السياسية أم تريدون منا أن نقايضكم بتحويلاتنا المالية المهمة مقابل تمثيلنا في البرلمان وحاشانا أن نفعل ذلك لأننا بكل بساطة مواطنون صالحون.

من خلال ما سبق تطرقنا إلى أزمة المواطنة عند الآباء المهاجرين وهي في نظرنا من الظواهر التي يمكن معالجتها بإجراءات إدارية لربط المهاجر المغربي بوطنه لكن المشكلة التي تؤرقنا كآباء هي مسألة الهوية المغربية لدى أطفالنا الذين يولدون ويتربون في بلاد الغربة مهما كانت ديانتها (وهذا موضوع آخر سنخصص له مقالا خاصا ).
فأنا شخصيا صدمت في أحد الأيام عندما سمعت بنتي ذات الثلاث سنوات تتغنى بحب وطن المهجر وتقول (سعودية أرضي أحبك من قلبي) بكل براءة ظنا منها أن الأرض التي نعيش عليها هي أرض الوطن ونحن هنا لا نحط من شأن أرض الحرمين فكل مسلم يتمنى أن يعيش عليها ويضحي بروحه من اجلها دفاعا عن المقدسات الإسلامية لكن المشكلة أن نظام المملكة العربية السعودية لا يمنح الجنسية للمواليد الأجانب كأوروبا وأمريكا وبالتالي نحن نخاف على أبناءنا الضياع فلا هم مواطنون في بلاد الغربة ولا هم يعرفون وطنهم الحقيقي والمسئولية هنا مشتركة بين الآباء والدولة لكن نحن نحمل الدولة وحدها (ممثلة في وزارة الخارجية ووزارة الجاليات) مسئولية أزمة الهوية والمواطنة المغربية لدى أبناءنا بسبب ضعف التواصل وغياب الأنشطة الثقافية والاجتماعية في بلاد المهجر التي من شأنها أن تردأ الصدع وتربط الطفل بوطنه الأصلي.

وفي الأخير وترسيخا لمفهوم المواطنة الصالحة والحكامة والشفافية وربط المسئولية بالمحاسبة خصوصا بعد الطفرة الديمقراطية التي عرفها المغرب يحق لنا كمهاجرين مغاربة أن نطرح عدة تساؤلات على رئيس الحكومة ومن خلاله إلى كافة المؤسسات الحكومية التي ترتبط بالجالية المغربية:
لماذا هذا التهميش والإقصاء الذي يطال المهاجرين المغاربة في دول الخليج وخصوصا في الإعلام العمومي ألسنا نحن كذالك (مهاجرون) ونحول أموالنا إلى المغرب والتي تفوق بكثير تحويلات مهاجري أوربا وهذا باعتراف الوزير السابق عامر في لقاء له مع جريدة الشرق الأوسط أم أن العملة التي نحولها ليست صعبة؟
ما هو دور وزارة الجاليات التي نجهل أبسط اختصاصاتها والدور الذي أنشئت من اجله والحال أنها مسماة باسمنا وهل هي معنية فقط بالمهاجرين في أوروبا وهنا يجب الإشارة إلى أننا  لا ندعو  إلى التفرقة بين المهاجرين المغاربة في الخليج و أولئك في أوروبا فكلنا أبناء وطن واحد ؟
ما هو دور القنصليات المغربية بالخارج ؟ أليس هو الدفاع عن مصالح الوطن والمواطنين بالخارج فلماذا لا نسمع لها صوتا عندما يتعرض أي مغربي لمشكل وتضيع حقوقه المادية والمعنوية أم أن دورها يقتصر على ما هو إداري فقط تجديد جوازات تسجيل مواليد إلى آخره
ولماذا يدفع المهاجر المغربي في القنصلية رسوم التنبر مضاعفة بالمقارنة بتلك التي يدفعها المواطن في الداخل أليس من الأولى أن نتساوى في الحقوق والواجبات ؟
لماذا لا تسعى وزارة الخارجية إلى تفعيل دور الملحقيات الثقافية في قنصلياتها جريا على عادات الدول المتقدمة التي تدرك أهمية هذه الملحقيات في ترسيخ مبدأ المواطنة لدى أبناء الجالية وتقوم بتلميع صورة المغرب عالميا وربما ساهمت من طريق أو آخر في حل قضيتنا الوطنية الأولى الصحراء المغربية؟
أين تلتقي اختصاصات القنصليات  ووزارة الجالية وأين تفترق فكلاهما أنشئ لمعالجة مشاكل الجالية أم إن هذه الأخيرة أحدثت للتغطية على تقصير الأولى في مهامها أم إنها هدر للمال العام بإحداث وزارات لا جدوى لها؟وان قبلنا جدلا إن لكل منهما اختصاصاته فلماذا لا يتم التنسيق بينهما لخدمة مصالح المهاجرين فمثلا لماذا لا يتم استحداث مكتب تمثيلي لوزارة الجاليات في كل قنصلية لمتابعة مشاكل واهتمامات المهاجرين .

لماذا لا يتم تقديم مساعدات وتسهيلات لوجيستية للمهاجرين المغاربة وخصوصا الذين في الخليج وأمريكا للعودة إلى المغرب لقضاء العطلة الصيفية نظرا لعجز كثير من الأسر التي لديها أطفال على دفع ثمن تذاكر الطيران المرتفعة بالمقارنة مع تلك المطبقة في أوروبا فمثلا لو افترضنا أسرة مكونة من ابوين و ثلاثة أطفال  سيكون الأب مضطرا إلى دفع مبلغ كبير حوالي (3 مليون سنتم) فقط للتذاكر عدا الهدايا وهذا ما يجعل كثيرا من المهاجرين يتخلفون عن زيارة الوطن وصلة الرحم بأقربائهم وبالتالي الخوف من ضياع الهوية الوطنية لدى الأطفال؟
كان هذا فيض من غيض  ضاق به صدري ومن خلالي جميع المهاجرين المغاربة خصوصا بالخليج وكلنا أمل في الله ثم في ملك البلاد محمد السادس حفظه الله وكذلك السيد رئيس الحكومة أن يولوا اهتماما لهذه الشريحة المهمة من النسيج الاجتماعي المغربي والذين يعولون شريحة كبيرة في وطنهم الحبيب فكما أن هناك تظافر جميع الجهود لترسيخ مبدأ المواطنة في الداخل فأرجو أن تعملوا بالتوازي لترسيخه لدى أبنائكم في الخارج ونحن من خلال هذا المقال حاولنا أن ننبه  إلى أن المسألة ليست مرتبطة بخدمة إدارية روتينية وإنما هي قضية هوية وطنية قد يستغلها خصوم المملكة في تخريب أبناء الجالية و تجييشهم ضد وطنهم وهذا ما حدث مع بعض الشباب الذين وجدوا أنفسهم ضحية لضعف المواطنة.
 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد