هبة زووم – مكناس
في وقت تتعالى فيه الدعوات إلى احترام القانون وترسيخ الشفافية في تدبير المال العام، تنفجر بمدينة مكناس فضيحة جديدة تهزّ أركان الثقة في المؤسسات العمومية، بطلتها المديرية الإقليمية للتربية الوطنية، التي تواجه اتهامات خطيرة بإخلالها الصريح بالتزاماتها التعاقدية تجاه شركة “الهلالي تورستيك”، المكلّفة بتوفير خدمات النقل لفائدة أطر المديرية.
تأخير غير مبرر… ومماطلة تثير الشكوك
فبعد مرور أكثر من خمسة أشهر على تقديم الفاتورة وسند القبول القانوني، الذي يُلزم الإدارة بأداء مستحقات الشركة خلال ثلاثة أيام، لا تزال هذه الأخيرة تنتظر سداد ما بذمتها، في ظل تجاهل تام لأي تبرير رسمي من قبل المديرية.
ومما يزيد الطين بلة، أن كل محاولة تواصل من طرف صاحب الشركة تقابل بإلقاء اللوم على الخازن، في سيناريو يوحي بتهرّب واضح من المسؤولية ومحاولة للالتفاف على جوهر الالتزام التعاقدي.
عبث يهدد بيئة الأعمال
هذا السلوك لا يُمكن تصنيفه كـ”تأخير إداري عرضي”، بل يعكس استخفافًا خطيرًا بمبدأ احترام العقود وضربًا لمصداقية المؤسسات العمومية التي يُفترض فيها أن تكون قدوة في الالتزام والانضباط.
فكيف يُعقل أن تُترك مقاولة خاصّة تحمّلت تكاليف تنقلات الأطر، دون أن تنال مستحقاتها، رغم استيفاء كل الشروط الشكلية والقانونية؟
إن هذه الوضعية المهزوزة تُوجه رسالة سلبية لباقي المقاولات، مفادها أن التعامل مع مؤسسات الدولة قد يتحول إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر البيروقراطية، في وقت يتحدث فيه الجميع عن تشجيع الاستثمار الوطني وبناء علاقات ثقة بين القطاعين العام والخاص.
سؤال الحَكامة… وأين الوزارة؟
الأخطر من ذلك أن سند القبول، المرفق بالصفقة، يُحدد أجل الأداء في ظرف لا يتجاوز ثلاثة أيام، ما يجعل هذا التأخير طويل الأمد غير مبرر لا من الناحية القانونية ولا الأخلاقية.
فهل تحوّلت الإدارات العمومية من واجهة للثقة إلى عنوان لعرقلة المبادرات الخاصة واغتيال روح المقاولة؟
اليوم، تقف وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة أمام اختبار حقيقي: فإما أن تتدخل بشكل عاجل لمساءلة المسؤولين عن هذه الفضيحة الإدارية في مديرية مكناس، أو أن تصمت، وتُرسّخ واقعًا جديدًا يُشرعن “التعاقد دون التزام”.
المسؤولية اليوم تتجاوز الإدارة المحلية، لتضع الوزير محمد سعد برادة أمام سؤال سياسي وأخلاقي ثقيل. هل سيتدخل لوقف هذا العبث، وإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة؟ أم أنه سيفضل خيار الصمت، كما فعل كثيرون قبله، متجاهلًا الرسائل الخطيرة التي تُبثّ يوميًا في جسد المقاولة المغربية؟
صرخة في وجه التسيب
ما يحدث لا يضر فقط بالشركة المتضررة، بل يُقوّض ثقة الفاعلين الاقتصاديين في الدولة، ويُهدد الأسس التي يُفترض أنها قائمة على الشفافية والعدالة. إنها ليست مجرد “أزمة أداء إداري”، بل انعكاس لفشل في الحكامة، لا يجب أن يمرّ مرور الكرام.
فهل ستُحاسب المديرية؟ أم أن نموذج “العقد دون التزام” سيتحول إلى القاعدة؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.
تعليقات الزوار