فاس تحت المجهر.. حملة تحرير الملك العمومي تنهار وسط صمت الوالي الجامعي وهيمنة “الفراشة” من جديد

هبة زووم – إلياس الراشدي
خيبة أمل جديدة تُخيّم على ساكنة مدينة فاس، بعد أن خفت بريق التفاؤل الذي صاحب حملة تحرير الملك العمومي، التي أطلقها والي جهة فاس-مكناس معاذ الجامعي، وسط آمال واسعة بأن تستعيد المدينة هيبتها وتسترجع الرصيف والساحات العمومية المغتصبة من قِبل الباعة الجائلين و”الفراشة”.
في وقتٍ كانت فيه المدينة تستعد لتصحيح مسار سنوات من التهميش والإهمال، وُوجهت هذه الأحلام بتنفيذ جزئي وحذر للحملة، سرعان ما انهار تحت وطأة الصمت الشعبي، وغياب الدعم الحقيقي لمشروع بدا وكأنه تصفية حساب مع بعض الأطراف، بدل أن يكون بداية إصلاح عميق وشامل.
كانت التطلعات مشروعة. فاس، العاصمة العلمية والتاريخية، مدينة منسية في خضم طفرة عمرانية وتنموية شهدتها مدن مجاورة كانت إلى وقت قريب مجرد محطات توقف لحافلات النقل بين المدن.
لكن سرعان ما تلاشت هذه الأحلام، لتعود “الفراشة” والباعة الجائلون إلى مواقعهم السابقة، مفروضين حظرًا عمليًا على السير والجولان في عدد من أحياء المدينة، وكأن شيئًا لم يكن.
اعتقد المواطنون أن الوالي الجامعي، ابن المدينة، جاء وفي جعبته نية إصلاح حقيقية، وقد راهن البعض على أن الإجراءات الصارمة لتحرير الفضاء العمومي ستسري على الجميع، دون استثناءات أو محاباة. ولكن الواقع كشف عن ازدواجية في التعامل، وغياب التنزيل العادل للقانون، ما غذى الإحباط في نفوس ساكنة المدينة التي كانت تنتظر ربيعًا حضريًا طال انتظاره.
المثير للانتباه هو صمت الفاعلين المدنيين والسياسيين تجاه تراجع الحملة. لا مواقف واضحة، ولا مساءلات للوالي أو السلطات المعنية.
هذا الصمت، الذي يفسره البعض بالخوف أو التواطؤ، منح الغطاء الضمني للعودة إلى الفوضى، فغياب الضغط الشعبي والتنظيمي جعل من المبادرة مجرد زوبعة في فنجان، انهارت سريعًا أمام أول اختبار.
لقد بات جليًا أن الخاسر الأكبر في هذه “المعركة المؤجلة” هو المواطن الفاسي، الذي حُرم من حقه المشروع في الرصيف والمجال العمومي، لصالح فوضى عارمة ينظمها منطق الغلبة والاحتلال غير المشروع.
وفي ظل غياب إستراتيجية مستدامة وواضحة المعالم، يظل الملك العمومي رهينة حسابات ضيقة وقرارات منزوعة الإرادة الحقيقية.
فاس اليوم لا تحتاج إلى حملات موسمية، بل إلى رؤية حضرية شاملة، تُراعي التوازن بين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للباعة الجائلين، وحق الساكنة في بيئة نظيفة وآمنة ومنظمة.
كما أن إنقاذ فاس من فوضى الأرصفة لا يمر عبر “التصعيد الموسمي”، بل عبر الشجاعة السياسية والإدارية في التنزيل العادل للقانون، بعيدا عن الشعارات الفارغة والمقاربات الانتقائية.
فهل يستفيق من بيدهم زمام القرار قبل أن تُجهز العشوائية على ما تبقى من ملامح المدينة التاريخية؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد