عمر أوزياد – أزيلال
تظل التبوريدة، أو ما يُعرف بـ”الفانتازيا”، أحد أبرز المظاهر التراثية الأصيلة التي تختزل في طلقات البارود وصهيل الخيل وجلال الزي التقليدي، عبق الذاكرة الجماعية المغربية.
إنها أكثر من مجرد فرجة موسمية، بل احتفال جماعي يربط الأرض بالإنسان، ويعكس عمق الهوية الثقافية والروح التشاركية للمجتمع القروي خاصة.
غير أن هذا التراث الآسر، الذي لطالما جسد لحظات من التآلف والاحتفاء الجماعي، بدأ يُستغل في السنوات الأخيرة على نحو مفضوح في بعض المناطق، من طرف فاعلين سياسيين حوّلوا هذه المواسم إلى منصات للدعاية الانتخابية وتصفية الحسابات، ضاربين بعرض الحائط القيم النبيلة التي قامت عليها هذه التقاليد.
لم تعد التبوريدة في بعض الجهات مجرد احتفال بنهاية موسم فلاحي أو فرصة لتكريم الفارس والفلاّح، بل باتت مناسبة يُكرّس فيها الإقصاء والتفاضل الطبقي.
مشاهد الخيم الفخمة التي تُنصب خصيصاً للمنتخبين ومواليهم، وأسماء الفنانين الكبار الذين يُستقدَمون بأجور فلكية لإحياء السهرات، تقابلها فوارق صارخة في الإنفاق، حيث تُمنح لفرق الفروسية مبالغ لا تكفي حتى لأعلاف الخيول، وهو ما يعكس اختلالاً قيمياً فاضحاً.
وفي الوقت الذي تعاني فيه قرى بكاملها من غياب الماء الصالح للشرب، ومن مسالك ترابية لا تصلح حتى لمرور الخيول نفسها، تُصرف الملايين في أيام معدودات لإرضاء نرجسيات سياسية، تتخذ من “الموروث” مطية إلى صناديق الاقتراع.
ليس الاستغلال السياسي وحده ما يهدد روح التبوريدة، بل أيضًا تهميش الفرق الفنية المحلية التي غالبًا ما يتم تجاهلها لصالح أسماء قادمة من المدن الكبرى، في مشهد يُغيب التعدد الثقافي ويقبر التنوع الفني المحلي. وهكذا، يتحول موسم التبوريدة من مناسبة لإبراز الثقافة القروية إلى عرض مسرحي فاقد للهوية، تحركه خلف الكواليس أجندات انتخابوية ضيقة.
ما يُثير القلق أكثر هو أن هذه الممارسات لا تكتفي بإفراغ الموسم من مضمونه الثقافي والاجتماعي، بل تزرع بذور الفرقة والتوتر داخل المجتمع المحلي، حيث يتعاظم الشعور بالغبن لدى الفرق المقصية، وتُعمق الامتيازات الزبونية الإحساس باللاعدالة، ما ينسف جوهر الموسم كتقليد للمصالحة وتقوية الأواصر.
إذا كانت التبوريدة قد صمدت لقرون بفضل ارتباطها بالأرض والناس والقيم، فإن استمرار استغلالها بهذا الشكل سيحولها إلى مجرد مهرجان للصور والتصفيق، بلا ذاكرة ولا رسالة.
إن حماية هذا الموروث تتطلب ليس فقط دعم الفرسان الحقيقيين، بل أيضًا تحصين الموسم من التسييس، وإعادة الاعتبار له كمجال جماعي للفرجة والاحتفال والتواصل، لا كفرصة للتباهي والاستغلال.
فالتبوريدة ليست ملكاً لأحد، ولا إرثاً يُستثمر سياسياً، بل مِلك جماعي يَختزن ذاكرة وطن، ويستحق أن يُنظم بعقلانية ومسؤولية تليق بتاريخه ودوره في تثبيت الهوية.
تعليقات الزوار