سطات تُباع في المزاد العلني: هل يعيدها العامل حبوها من رماد الفوضى؟

سطات – أحمد الفيلالي
لم تعد مدينة سطات، التي طالما وُصفت بـ”الهادئة”، تحمل من السكينة سوى الاسم. ففي قلب المدينة، وعلى مرأى ومسمع من الجميع، تتواصل عمليات السطو المنظم على الملك العمومي، وكأنها تُدار من “مكتب مزاد علني” يُفرّط يومًا بعد يوم في الفضاءات المشتركة، لصالح أصحاب المال والنفوذ، في ظل صمت رسمي يرقى إلى مرتبة التواطؤ.
إن ما يجري في شوارع سطات ليس مجرد استغلال للرصيف كما يحاول البعض تبريره، بل هو احتلال شامل للمجال الحضري، في مشهد بات مألوفًا لدرجة التخدير: أرصفة تحوّلت إلى ملحقات للمقاهي، طرقات اختزلت لحارات ضيقة بسبب اجتياح الباعة المتجولين، وساحات عامة تمت خصخصتها بلا ترخيص ولا حسيب.
طيلة سبع سنوات من تسيير العامل السابق ابراهيم أبو زيد، عاشت سطات نوعًا من الفراغ التدبيري والانكماش الرقابي، حيث استشرى التغول على الملك العمومي، وتمددت الفوضى على حساب الحق في المدينة والكرامة الحضرية.
لم يكن المواطن البسيط في سطات يملك من هذا الحق شيئًا، في وقت كان فيه “الخواص” يوزعون الأرصفة والممرات كما تُوزّع الغنائم.
وحده من أراد ألا يرى، يمكنه أن ينكر حجم الاختلالات التي تراكمت بصمت تحت إدارة هشة، أغرقت المدينة في فوضى عمرانية وتنظيمية، وأفرغت الشارع من قيمته كمجال للعيش المشترك. لا رقيب، ولا مبدأ للتدبير بالعدل، ولا أثر لدولة القانون.
“الحكرة” ليست مجرد تعبير عاطفي يُطلق في لحظة انفعال، بل أصبحت في سطات منهجًا في التعاطي مع المواطنين.
فكيف يمكن تفسير منع بائع متجول من وضع كشك صغير بذريعة غياب الترخيص، بينما يُسمح لمقاهٍ نافذة باحتلال عشرات الأمتار من الملك العمومي دون حتى إشعار؟ كيف يُفهم صمت السلطات المحلية، ورئاسة المجلس، عن هذا التمييز المجالي الصارخ؟
في مدينة سطات، صار الشارع ملكًا للفئة الأقوى، فيما أُقصي المستضعفون من فضاء يضمن لهم حق العيش والتجارة والتنقل الآمن، الرصيف الذي وُجد ليحمي المواطن، بات الآن حقًا خاصًا يُباع ويُشترى في مزاد الخنوع الإداري.
منذ تسليم السلط بين أبو زيد وخلفه محمد علي حبوها، يترقب الجميع ما إذا كان هذا الأخير سيحمل مقاربة مغايرة، عنوانها إعادة الاعتبار لمدينة بدأت تفقد هويتها العمرانية والاجتماعية.
صحافيون من مدينة بركان، حضروا حفل تسليم السلط، عبّروا بمرارة عن صدمتهم، متسائلين: “هل هذه مدينة سطات أم قرية سطات؟”، في مقارنة لاذعة بين بركان التي تخلّت عن الفوضى، وسطات التي غرقت فيها.
يرى كثيرون في العامل حبوها رجل المرحلة، بشرط أن ينتقل من الحضور الرمزي إلى الفعل الصارم، عبر فرض احترام القانون، وتحرير الأرصفة من براثن الاستغلال العشوائي، وكبح جماح الفوضى التي طالت كل حي وزقاق.
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تحتاج سطات إلى رسالة واضحة: الملك العمومي ليس للبيع، والمرافق المشتركة ليست تركة يتم تقسيمها بين المقربين. سطات مدينة مغربية، تستحق أن تُدار بعين القانون، لا بشروط “اللوبيات” التي حولت الشارع إلى استثمار خاص.
فهل ينجح العامل حبوها في تغيير المشهد وإعادة المدينة لأهلها؟ أم يسير على درب من سبقوه، مكتفيًا بالإدارة الصورية؟
الجواب سيكون مرئيًا في أول قرار صارم ضد الاحتلال غير المشروع، وفي أول خطوة تُعيد للرصيف هيبته، وللمواطن كرامته في مدينة تُحتضر كل يوم على قارعة الصمت.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد