تسريب “وثائق المحافظة العقارية”.. عندما يصبح الصمت الرسمي أخطر من الاختراق

هبة زووم – محمد خطاري
في خضم جدل متصاعد على منصات التواصل الاجتماعي، تفجرت قضية حساسة تهزّ أركان مؤسسة عمومية استراتيجية في المغرب، بعد تداول وثائق يُزعم أنها صادرة عن الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، تتضمن معطيات دقيقة وحساسة، يُفترض أن تكون تحت الحماية المشددة، وبينما يرتفع منسوب القلق لدى المواطنين والمتابعين، اختارت الوكالة أسوأ رد ممكن: الصمت.
هذا الصمت، في ظرفية رقمية دقيقة، لا يبدو أنه موقف عرضي أو محسوب، بل يتجلى كخيار مؤسسي محفوف بالمخاطر، يفتح الباب أمام سيناريوهات تتأرجح بين احتمالين أحلاهما مرّ: إما أن التسريبات حقيقية، والوكالة عاجزة عن احتواء تداعياتها أو الاعتراف بها، أو أن ما نُشر مفبرك، ومع ذلك لا ترى المؤسسة ضرورة للردّ أو توضيح الحقائق للرأي العام.
اللافت في هذه الواقعة أن المؤسسة، التي راكمت مداخيل بمليارات الدراهم من رسوم التحفيظ العقاري وخدمات المسح، تُفترض أن تكون في طليعة الهيئات العمومية التي تعلي شأن الثقة المؤسساتية، وتتمسك بقواعد الشفافية، خاصة وهي تتعامل مع بيانات في صميم الملكية الخاصة للمواطنين، فكيف يستقيم أن تتعرض لاتهامات بوجود اختراق محتمل دون أن تُبادر ولو ببلاغ مقتضب لنفي ما يُروج أو تأكيده؟
وما يزيد من ثقل هذا السؤال، أن الوكالة المذكورة ترتبط بشراكات إعلامية بملايين الدراهم، تم الترويج لها في وقت سابق باعتبارها وسيلة لـ”تعزيز التواصل مع الرأي العام”، غير أن هذه الشراكات لم تسعف المواطن المغربي في معرفة الحقيقة، في وقت تتحول فيه الإشاعة إلى “مصدر رسمي” في غياب أي صوت مؤسساتي.
ليس الرأي العام خصمًا للوكالة، بل شريك ومساهم مباشر في تمويل خدماتها من خلال أداء الرسوم، كما أنه الطرف المعني الأول بحماية بياناته ومعاملاته.
لذلك، فإن التعامل معه بهذا القدر من التجاهل يكشف خللًا عميقًا في ثقافة التواصل لدى بعض المؤسسات، ويُرسخ منطق اللامبالاة تجاه قضايا تمس الأمن المعلوماتي، الذي صار في زمن الرقمنة جزءًا لا يتجزأ من السيادة الوطنية.
في خلفية هذا السلوك، تبرز أزمة أعمق: غياب ثقافة المحاسبة والمكاشفة داخل بعض مرافق الدولة، حتى في أكثر اللحظات حساسية. ذلك أن المؤسسات التي تعجز عن التواصل في الأزمات، وتختار التواري خلف أسوار الصمت، لا تؤدي فقط إلى ضرب مصداقيتها، بل تضعف أيضًا ثقة المواطن في الدولة ذاتها.
قضية تسريب وثائق المحافظة العقارية، سواء كانت حقيقية أو ملفقة، تستدعي موقفًا عاجلًا وواضحًا، فإما أن تعلن الوكالة بشكل مسؤول عن تفاصيل ما جرى وتعرض للرأي العام معطيات تقنية تدحض أو تؤكد ما يروج، أو تتحمل تبعات انهيار الثقة، وهو أمر أثقل وأخطر بكثير من مجرد تسريب وثائق.
اليوم، لم تعد المؤسسات تُقاس فقط بحجم مداخيلها أو عدد زبائنها، بل أيضًا بقدرتها على الصمود في وجه الأزمات، ومهاراتها في التواصل بشفافية حين تعصف بها العواصف، والوكالة العقارية، للأسف، أخفقت في الاختبار الأول.
ويبقى السؤال المفتوح إلى أن يصدر موقف رسمي: هل نحن أمام خلل في الحماية الرقمية لمؤسسة سيادية؟ أم أمام مشهد فبركة يُدار باحتراف خارج المؤسسة؟ في الحالتين، الجواب ليس رفاهية.. الجواب ضرورة وطنية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد