هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في مشهد يعيد النقاش حول العدالة المجالية إلى الواجهة، صادق مجلس جهة بني ملال-خنيفرة خلال دورة يوليوز 2025، المنعقدة بمدينة خنيفرة، على مجموعة من المشاريع التنموية همّت مختلف أقاليم الجهة، باستثناء صارخ لإقليم خريبكة، الذي غاب بشكل لافت عن برمجة أي مشروع مهيكل أو بنية تحتية كبرى.
ورغم أن الدورة عرفت المصادقة على مشاريع طموحة تمتد لعدة قطاعات، فقد سُجل تغييبٌ تام لخريبكة ومدنها الكبرى، وادي زم وأبي الجعد، وهو ما خلّف حالة من الاستياء العارم لدى الفعاليات المحلية والمتابعين للشأن الجهوي، الذين وصفوا الوضع بـ”الإقصاء الممنهج”، محمّلين المسؤولية الكاملة للمنتخبين المنتمين للإقليم، والذين لم يبدوا أي دفاع فعلي أو تماسك سياسي في حماية مصالح خريبكة.
حُرم الإقليم مجددًا من مشاريع حيوية طال انتظارها، على رأسها المسبح الأولمبي، كلية الطب، ودار الصحافة، وهي مؤسسات لا ترتبط فقط بالجانب الخدمي، بل تعني أيضًا بتعزيز البنية المجالية وتوفير فرص الشغل وتنشيط الدينامية المحلية.
كما سبق للإقليم أن أقصي من مشاريع جامعية ومعاهد عليا تمركزت بجلها في بني ملال، عاصمة الجهة، ما يطرح مجددًا سؤال تكافؤ الفرص داخل الجهة الواحدة.
ولا يُستثنى من ذلك سوى مشروع إنشاء منطقة التسريع الصناعي بخريبكة بشراكة مع مستثمر صيني، وهو مشروع لا يزال يراوح مكانه، رغم ما حظي به من زيارات ميدانية وتصريحات رسمية، ظلت إلى حدود الساعة دون أثر ملموس.
العديد من أبناء الإقليم، من هيئات المجتمع المدني والفاعلين السياسيين، أشاروا إلى فشل المنتخبين الجهويين المنتمين لخريبكة في فرض الأولويات التنموية للإقليم، واكتفائهم بالحضور الصامت في دورات المجلس، دون أي تدخل يُذكر، بل ذهب البعض إلى اتهامهم بـ”مسايرة” الكتلة المهيمنة داخل المجلس، على حساب مصالح السكان.
وتتسع الفجوة سنة بعد أخرى بين بني ملال التي تحتضن جل المشاريع الكبرى، وبين خريبكة التي لم تحصد سوى الفتات، رغم مساهمتها التاريخية والاقتصادية في الخزينة الوطنية، باعتبارها العاصمة العالمية للفوسفاط، والمدينة التي لم تنل شيئًا من عائدات هذه الثروة المنهوبة، سوى الندم والبطالة ومناجم منهكة وساكنة مغبونة.
الوضع الذي يعيشه إقليم خريبكة يطرح تساؤلات عميقة حول مدى التزام مجلس الجهة بتوصيات المناظرة الوطنية الثانية للجهوية المتقدمة، المنعقدة بطنجة، والتي دعت صراحة إلى اعتماد آليات واضحة لتوزيع المشاريع على أساس الإنصاف، لا النفوذ السياسي أو المحاباة الانتخابية.
فهل الجهة، كما هي اليوم، تترجم فعلًا فلسفة الجهوية المتقدمة؟ أم أنها تستمر في تكريس مركزية جديدة بصيغة جهوية، تحتكم إلى الولاءات والتوازنات، لا إلى الحاجة المجالية أو الخصاص التنموي؟
العدالة المجالية لا تعني المساواة المطلقة بين الأقاليم، وإنما تعني توزيعًا عقلانيًا وعادلاً للموارد والمشاريع وفق الحاجيات والفوارق المجالية. فحين تستحوذ مدينة واحدة على حصة الأسد من التمويل والمشاريع، ويُترك إقليم بأكمله لمصيره، فذلك ليس مجرد تقصير، بل خلل بنيوي يمس جوهر الجهوية وروح الدستور.
اليوم، بات لزامًا على كل من يتحمّل المسؤولية التمثيلية بإقليم خريبكة، أن يخرج من صمته، ويضع حدًا لهذا التهميش المتواصل، وإلا فإن التاريخ لن يرحم، ولا الرأي العام المحلي سينسى من تواطأ بالصمت أو قايض حقوق الإقليم بمواقع داخل المجلس الجهوي.
تعليقات الزوار