وجدة.. حين يتحول الاقتصاد إلى قمع صامت والوالي لهبيل في عطلة إدارية مفتوحة

هبة زووم – محمد أمين
في الجهة الشرقية، وتحديدًا بمدينة وجدة، لم تعد السجون ولا الزنازين ضرورية لفهم القمع، صار كافياً أن يستفيق المواطن على واقع اقتصادي متآكل، ليكتشف أن آلة الصمت أشد قسوة من العصا. الركود يزحف، والفقر يتسع، والفرص تتبخر، فيما الدولة تتفرج والسلطة الجهوية تلوذ بالصمت.
واقع مأساوي تُعبّر عنه الطوابير الطويلة أمام المستشفيات، ووجوه منهكة في الأسواق، وفواتير كهرباء تُنهك الجيوب، وثلاجات فارغة تنطق بما لا تقدر التقارير الرسمية على قوله.
في وجدة، لم تعد الأرقام تخدع أحدًا، ولم تعد الخطب تطمئن من فقد القدرة حتى على شراء دفتر لابنه أو دواء لابنته.
والي جهة الشرق، الخطيب لهبيل، مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بكسر حاجز الجمود. فالوضع لم يعد يحتمل “انتظارية” الإدارة، في ظل ارتفاع مؤشرات الانتحار، والهجرة، والجريمة، والإدمان، كلها ليست معطيات معزولة، بل نتائج ملموسة لاختيارات اقتصادية بعيدة كل البعد عن العدالة الاجتماعية.
ورغم مرور سنوات على إطلاق ما سُمي بـ”النموذج التنموي الجديد”، لا تزال الجهة الشرقية على هامش هذا النموذج، إن لم نقل ضحيةً له، والنتيجة؟ شباب عاطل، أسر مهددة بالتشرد، ونسيج اقتصادي يعيش حالة شلل شبه تام.
المفارقة الصادمة أن نفس المسؤولين الذين يتحدثون عن “مغرب الفرص”، هم من يغلقون الأبواب في وجه أبناء الشعب، الفرص الحقيقية تُمنح للمقربين، في صفقات مشبوهة، وتوظيفات تفتقد للعدالة، واستثمارات توجه بوصلة التنمية نحو المصالح لا نحو العدالة المجالية.
كل هذا يتم تحت أنظار السلطات، بل أحياناً برعايتها الضمنية، في مشهد يؤكد أن القمع لم يعد يرتدي زي الشرطة، بل بات يتخذ هيئة فاتورة ماء، أو عقد كراء مرهق، أو وظيفة لا تأتي إلا بالوساطة.
القمع الاقتصادي، كما وصفه العديد من الخبراء، هو أشد أشكال العنف المعنوي، فهو لا يترك آثارًا جسدية، لكنه ينهك النفس ويُحطم الأمل، هو قمع لا يُسجَّل في محاضر، ولا يُستنكر في تقارير رسمية، لكنه واقع يومي يعيشه المواطن في الخبز، والسكن، والصحة، والتعليم.
وإذا كان من الطبيعي أن يطالب المواطنون بالعيش الكريم، فإن من غير الطبيعي أن تُقابل هذه المطالب بسياسات تُعمّق الفوارق وتزيد من الإقصاء.
ما يجري في وجدة ليس مجرد ركود اقتصادي، بل إنذار اجتماعي وسياسي خطير، والساعة تدق. وإذا لم يتحرك الوالي لهبيل لوضع حد لهذا النزيف، فإن الكلفة ستكون باهظة، فالتاريخ لا يرحم من أدار ظهره للناس في وقت حاجتهم، ولا يسامح من صمت حين وجب عليه أن يتكلم.
فلتكن هذه اللحظة لحظة وعي حقيقية، لا مجرد محطة جديدة لتبرير الفشل، فالتنمية ليست شعارًا، بل مسؤولية. والصمت أمام معاناة الناس ليس حيادًا، بل تورط.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد