هبة زووم – أبو العلا العطاوي
منذ أيام كتبنا وحذرنا من خطر خلط المشاريع المعلنة بالأوهام المؤجلة بجهة بني ملال خنيفرة، ليأتي الجواب سريعا على شكل مسيرة قادتها ساكنة أيت بوكماز للمطالبة بأمور هي بسيطة في نظر الجميع الحق في الصحة بمرفق صحي بسيط يكفيهم كل هموم الانتقال إلى المركز بأزيلال، وطريق تفتح أمامهم حق من حقوق الانسان ألا وهو التنقل وهاتف للتواصل مع خلق الله كالجميع بتعزيز وتقوية شبكة الخلوي بالمنطقة.
لم تكن مسيرة أيت بوكماز الأخيرة مجرد احتجاج معزول أو صرخة مؤقتة تنقضي بانتهاء لحظتها، بل كانت لحظة مكثّفة تُجسد كل تناقضات النموذج التنموي الجهوي بجهة بني ملال خنيفرة، وتفضح في العمق فشل رؤية التنمية الترابية التي يُفترض أنها جاءت لتصحّح عقودًا من التهميش البنيوي، فإذا بها تعيد إنتاجه بل وتمنحه شرعية جديدة بلغة المؤسسات والمجالس المنتخبة.
الساكنة التي خرجت في مسيرة غاضبة لم تكن تطالب بأشياء مستحيلة أو بشروط الرفاه الاجتماعي، بل كانت مطالبها تُجسد الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم: مستوصف صحي، طريق صالحة، وشبكة اتصالات لربطهم بالعالم الخارجي، هي أبسط الحقوق، ولكنها غائبة في منطقة يُفترض أن بها مؤسسات ومنتخبين وميزانيات وأوراشًا كبرى… أو هكذا يُراد أن نصدق.
الوضع في أيت بوكماز اليوم ليس فقط عنوانًا لحالة الإهمال المتواصل، بل هو مؤشّر صريح على هشاشة الدولة الاجتماعية في صورتها الترابية، حين تعجز عن ضمان الحد الأدنى من الخدمات في منطقة جبلية تعرفها كل الجهات المسؤولة باعتبارها منطقة حساسة من حيث الطبيعة الجغرافية والبعد الاستراتيجي.
ومع ذلك، فالمنطقة تسير بخطى ثابتة نحو مزيد من الإقصاء، في مشهد يطرح تساؤلات موجعة حول من يُقرر فعلا في السياسات العمومية؟ وهل للساكنة هامش تأثير في توجيه الأولويات؟
من جهة أخرى، فإن هذا الحراك يضع والي جهة بني ملال خنيفرة، محمد بنرباك، في مرمى الانتقادات، بعدما فشل حتى الآن في تحويل خطاب التنمية إلى مشاريع ملموسة على الأرض.
بل إن التساؤل اليوم لم يعد حول جدوى الاجتماعات وورشات التكوين وتصريحات النوايا، بل حول غياب رؤية تنفيذية تؤمن بأن التنمية لا تُقاس بعدد البلاغات أو المراسلات الإدارية، وإنما بما يُنجز فعليا على الأرض. فالمواطن لا يأكل الوعود، ولا يُطبب بالخطابات.
أما رئيس الجهة، عادل بركات، القادم من نفس الإقليم، فهو الآخر مطالب اليوم بمصارحة الرأي العام حول سر الغياب اللافت لإقليم أزيلال عن أجندة المشاريع المهيكلة التي ناقشها مجلس الجهة في دورة يوليوز الأخيرة.
كيف لمنطقة تُعاني كل هذا الخصاص، وتتوفر على مؤهلات بشرية وطبيعية ضخمة، أن يتم تغييبها عن برمجة المشاريع؟ بل كيف لمن يُفترض أنه “ابن الدار” أن يغض الطرف عن مطالب أهله وساكنة منطقته؟ يبدو أن الانتخابات تخلق من السياسيين غرباء، وأن الولاء الحزبي أصبح أهم من الوفاء للموطن الأول.
هذه المسيرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الوطني الذي يشهد تصاعدًا في التذمر الشعبي من النخب الترابية، وعودة صوت الهامش بقوة ليعيد ترتيب أولويات التنمية، خارج أجندات الرباط والبرامج المسكوكة في مكاتب العاصمة، فحين تصرخ أيت بوكماز، فهي تفضح بالصوت والصورة تهافت النماذج التنموية التي لم تُنجز سوى على الورق.
والأخطر أن استمرار هذا التجاهل وغياب تدخل عاجل ومقنع من السلطات الجهوية والمركزية قد يُمهّد لانفجار اجتماعي أوسع، خاصة في ظل تصدع الثقة بين الدولة والمواطن، وهو تصدع أخطر من أي خصاص في الميزانية أو تعثر في البنيات التحتية، لأنه يُهدد ركائز الاستقرار نفسه.
في العمق، ما كشفته أيت بوكماز ليس فقط عورة التنمية المجالية، بل عورة السياسة في معناها العميق: الغياب التام للحس بالمسؤولية، والاستخفاف بمطالب الناس، والتعامل مع الجهات المهمشة كخزانات انتخابية مؤقتة لا غير. لذلك، فالرسالة اليوم ليست فقط لوالي الجهة أو رئيس المجلس، بل لمنظومة كاملة تدير الشأن العام المحلي وكأننا لا زلنا في عهد “المخزن التقليدي”.
إذا لم تتحرك الدولة في أعلى مستوياتها لتصحيح هذا الانحراف، فسنجد أنفسنا بعد سنوات قليلة أمام جغرافيا جديدة: مناطق بلا خدمات، وساكنة بلا ثقة، ومجالس منتخبة بلا شرعية اجتماعية. إنها معادلة الانفجار الصامت، وصرخة أيت بوكماز كانت مجرد تمهيد له.
فهل يلتقط كل من الوالي بنرباك ورئيس الجهة عادل بركات الإشارة ؟ وهل يتحول الدرس إلى منعطف حقيقي؟ الأيام المقبلة وحدها من ستجيب.
تعليقات الزوار