هبة زووم – قصبة تادلة
في عز موجة حرّ خانقة تجتاح البلاد، تعيش مدينة قصبة تادلة حالة من التيه البيئي والجمالي، مع تسجيل تراجع خطير في تدبير الفضاءات العمومية، وعلى رأسها النافورات والمساحات الخضراء التي تحوّلت من رموز حضرية إلى مشاهد من الخراب الصامت.
ففي الوقت الذي تُعتبر فيه الفضاءات الخضراء والمرافق العمومية المتنفس الطبيعي للسكان، خاصة في شهور الصيف القائظة، تغيب إرادة الإصلاح وتحضر مشاهد الهدر والإهمال، في مفارقة تثير الاستغراب والاستياء.
من يتجوّل في قصبة تادلة هذه الأيام، لا بد أن يلاحظ سكون أربع نافورات رئيسية توقفت عن الاشتغال منذ شهور، رغم تموقعها في فضاءات استراتيجية: نافورة حديقة المسجد الأعظم، نافورة قرب البلدية، نافورة حديقة الرياض بحي حجرة ونافورة حديقة شارع 20 غشت في اتجاه الجعد، وحدها نافورة قرب المحطة الطرقية ما زالت تتنفس، وكأنها تعاكس بإصرار رياح التبديد والإهمال.
هذه المرافق التي كانت من المفترض أن تُجمّل المدينة وتضفي عليها روحًا بيئية، تحولت إلى هياكل إسمنتية قاحلة تُذكّر الساكنة يوميًا بأن شيئًا ما غير سليم في تدبير الشأن المحلي.
المعضلة لا تتوقف عند النافورات، بل تمتد إلى الحدائق العمومية التي تفقد يومًا بعد آخر لونها ونضارتها، فالمجال الأخضر في المدينة يعرف تراجعًا مهولًا في العناية بالنباتات والأشجار، غيابًا كليًا للسقي المنتظم وإهمالًا في النظافة والصيانة.
ورغم أن الجماعة أبرمت صفقات عمومية لتدبير الحدائق، فإن الواقع لا يعكس مطلقًا مضمون دفاتر التحملات، وهو ما يطرح أسئلة مشروعة عن من يراقب؟ ومن يحاسب؟ ومن يربح من هذا التردي؟
النافورات المعطلة، والحدائق الميتة، ليست مجرد أعطاب تقنية أو ملاحظات عابرة، بل هي أعراض خطيرة لأزمة في الحكامة والتدبير، فهذه المشاريع أنجزت بأموال عمومية، وتحت شعارات التأهيل الحضري، لكنها اليوم ترقد في سبات الإهمال، وسط صمت مريب من المنتخبين والمسؤولين، وتغيب معها آليات التتبع والمحاسبة والشفافية.
فهل من المقبول أن نتحمّل كمواطنين تبعات هذا الإهمال، في ظل التحولات المناخية؟ وأين هي المجالس المنتخبة من ممارسة صلاحياتها في المراقبة والمحاسبة؟ ولماذا تصرّ الإدارة المحلية على التعامل مع هذه الملفات بعقلية “دعه يصدأ” بدل “أصلحه فورًا”؟
وفي هذا السياق، يؤكد متتبعون للشأن المحلي أن النافورات والمساحات الخضراء ليست مجرد كماليات، بل تعتبر مرافق استراتيجية لتحسين جودة الحياة داخل المدينة، خصوصًا في ظل التغيرات المناخية، إلا أن واقع الحال يكشف أن ما تم استثماره من مال عام لم يحقق الغرض منه، بل تحول إلى عبء بصري وبيئي، يُذكّر المواطنين بإخفاقات المسؤولين المحليين.
وهنا تبرز الحاجة إلى إجراء افتحاص حقيقي للصفقات المتعلقة بصيانة وتدبير هذه المرافق، وتقديم توضيحات للرأي العام حول أسباب التعثر والتقصير، وتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات وفقًا للقانون.
قصبة تادلة اليوم لا تحتاج إلى شعارات براقة أو مشاريع ضخمة تُعلّق في الهواء، بل تحتاج أولًا إلى تدبير مسؤول لما هو موجود، فالاهتمام بالنافورات والحدائق لا يعني فقط التجميل، بل هو خطوة نحو مدينة تحترم بيئتها وكرامة مواطنيها.
وفي لحظة تتعالى فيها حرارة الجو، وتتزايد حاجة السكان إلى متنفسات بيئية، تبقى مسؤولية المجلس البلدي والإدارة الترابية على المحك… فإما أن يتحركا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو أن يستسلما لمنطق الإهمال، ويدفع المواطن الثمن مضاعفًا.
