هبة زووم – مكناس
في لحظة مفصلية تكثف فيها المأساة العمالية وتجسدت فيها معالم التواطؤ الصامت، أعلنت لجنة دعم عمال شركتي “سيكوم” و”سيكوميك” عن مبادرة لتأسيس لجنة وطنية لتبني قضية أزيد من 550 عاملاً وعاملة وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها في عراء البطالة والتشريد، بعد سنوات من العمل والاستغلال في ظروف قاهرة.
جاء هذا الإعلان خلال ندوة صحافية احتضنها مقر الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بمكناس، يوم الخميس 17 يوليوز 2025، بحضور فعاليات سياسية وحقوقية بارزة.
الندوة لم تكن مجرد لقاء إعلامي، بل صرخة من قلب جرح اجتماعي عميق، حيث أكد حسن بريكي، منسق لجنة الدعم المحلية، أن اللجنة الوطنية المرتقبة ستسعى إلى نقل المعركة من بعدها المحلي إلى واجهة النضال الوطني، من خلال الترافع الحقوقي والسياسي أمام المؤسسات، وإعادة فتح قنوات التواصل مع المركزيات النقابية، وعلى رأسها الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، التي طالما تبنت هذا الملف قبل أن يخفت صداها.
لكن خلف هذا الحراك التنظيمي، تقبع مأساة متشعبة تعود فصولها الأولى إلى سنة 2007، عندما بدأت إدارة شركة “سيكوم” التابعة لعائلة العلمي التازي، تنفيذ خطة “تفكيك منهجي” عبر تأسيس شركات مؤقتة بأسماء مختلفة لا يتجاوز عمرها الأربع سنوات، ما اعتُبر حينها وسيلة للتهرب الضريبي، والتحايل على قانون الشغل واستغلال اليد العاملة بعقود هشة.
ويقول حسن الحسيني، الكاتب العام لعمال الشركة، إن المخطط كان واضح المعالم: بطالة تقنية لتقليص العدد، ثم بيع الأراضي في 2013، تلاها تفويت وسائل النقل لجهات محسوبة على نفس العائلة.
وفي 2015، جرى نقل الإدارة والتقنيين وآلات الإنتاج إلى شركات أخرى في نفس المجموعة، في غفلة عن العمال الذين لم يُستشاروا ولم يُخبروا.
وفي 2016، اتُخذ القرار المثير للجدل: بيع كل شيء لشركة فرنسية تُدعى “ليو ميدور”، تحت الاسم الجديد “سيكوميك”، مقابل 250 مليون سنتيم فقط، مع توقيع عقد كراء لخمس سنوات غير قابلة للتجديد، كأن الأمر يتعلق بمزرعة وليس بمؤسسة إنتاجية تحتضن أرزاق مئات الأسر.
وبينما كانت السلطات الجهوية والمحلية تقدم دعماً مالياً ضخماً بلغ 400 مليون سنتيم، إلى جانب إعفاءات من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ومصاريف الكراء والنقل، كانت الإدارة تسير في الاتجاه المعاكس: قروض بالجملة، إغراق ممنهج، ثم إعلان إفلاس مفاجئ في 2017.
النتيجة كانت صادمة: 460 عاملة و60 عاملاً في الشارع، بلا تعويض، بلا بديل، بلا كرامة. اعتصام مفتوح أُطلق في يوليوز 2025 أمام وحدة فندقية وسط مكناس، تحول إلى ملحمة نضالية مستمرة، وسط مضايقات أمنية ومحاكمات تطال بعض المحتجين.
ما يجري في قضية “سيكوم/سيكوميك” لا يختزل فقط في انتهاك صارخ لحقوق العمال، بل يكشف عن هشاشة الحماية القانونية والاجتماعية في المغرب، حيث يمكن لمستثمر نافذ أن يلتف على القانون، ويستفيد من دعم الدولة، ثم يُفلس المؤسسة ويغادر من الباب الواسع دون محاسبة.
هي إذن، فضيحة بصمت عليها أطراف متعددة، وتواطأت فيها مصالح متشابكة، بينما الضحية هم رجال ونساء أفنوا أعمارهم في خدمة مشروع لم يكن سوى واجهة لاستنزاف المال والكرامة. ومع كل يوم يمر من هذا الاعتصام التاريخي، تتأكد مقولة العمال: “لسنا أرقاما في دفاتر الإفلاس، نحن أرواح تبحث عن العدالة”.
تعليقات الزوار