خريجو الماستر في المعاهد العليا للتمريض: كفاءات عالقة بين الفراغ القانوني والإقصاء المؤسسي

هبة زووم – الرباط
في قلب مسار إصلاح المنظومة الصحية المغربية، تتوارى قضية محورية خلف الشعارات الرسمية والوعود الحكومية: مصير خريجي مسالك الماستر بالمعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة (ISPITS)، الذين يُفترض أن يُشكلوا ركيزة أساسية للارتقاء بجودة الخدمات التمريضية، لكنهم يُعاملون ببرود إداري وكأنهم خارج الخريطة المهنية.
رغم سنوات من التكوين المتقدم في تخصصات دقيقة، يُواجه هؤلاء الخريجون فراغًا قانونيًا وتنظيميًا حرمهم من الاعتراف المهني، ومن أبسط حقوقهم في الترقية والتعويض، ليبقوا رهائن لواقع يُناقض كل خطاب رسمي حول تجويد العرض الصحي وتثمين الموارد البشرية.
منذ تخرّج أولى دفعات الماستر في معاهد ISPITS، باستثناء سلك البيداغوجيا، لا يزال الخريجون ينتظرون إصدار مرسوم وزاري أو قرار تنظيمي يحدد طبيعة مهامهم وصلاحياتهم المهنية.
هذا الانتظار القاتل لم يقتصر على وضعية قانونية رمادية، بل امتد ليشمل غياب أية تعويضات أو تحفيزات مادية موازية للمستوى الأكاديمي، ما يجعل من “الماستر التمريضي” شهادة عليا بدون مقابل وظيفي.
هذا، ويتلقى الطلبة في هذه المسالك تكوينًا نظريًا وتطبيقيًا عالي المستوى، يشمل تحليل السياسات الصحية، الإشراف البيداغوجي، إدارة وحدات الرعاية، والبحث العلمي في المهن التمريضية، لكنهم عند التخرج يصطدمون بواقع يُقزّم مؤهلاتهم ولا يعترف بتميّزهم.
النتيجة: كفاءات مهنية عالقة في نفس السلم الإداري، دون أي تغيير في المهام أو المسؤوليات أو التعويضات. واقع يعكس تناقضًا صارخًا بين شعارات التحديث وممارسات تكرّس الجمود المؤسساتي.
أمام هذا الوضع، يُوجه خريجو الماستر في التمريض نداءً عاجلًا إلى كل من وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، باعتبارها الجهة الوصية على القطاع، وزارة الاقتصاد والمالية، لضمان العدالة في التعويضات والتحفيزات ووزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، لبلورة إطار وظيفي يتماشى مع مستجدات الإصلاح الإداري.
ولخص خريجو الماستر في المعاهد العليا للتمريض نداءهم في أربع مطالب محورية: الإسراع بإصدار نص تنظيمي يُحدّد مهام خريجي الماستر وصلاحياتهم المهنية داخل المنظومة الصحية، تفعيل إطار “الصحي العالي” الذي طال انتظاره، والذي يُفترض أن يحتضن هذه الكفاءات المتقدمة، فتح سبل التوظيف النوعي في مناصب مسؤولة داخل المستشفيات، مراكز التكوين، والبرامج الصحية الوطنية واعتماد نظام تعويضات منصف يراعي المستوى العلمي والتكويني، ويُنهي حالة الحيف واللامساواة.
وفي هذا السياق، لا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي للمنظومة الصحية دون استثمار فعلي في الرأس المال البشري عالي الكفاءة، ولا يعقل أن تُترك نخبة تمريضية بهذا المستوى من التكوين في الهامش، دون رؤية مهنية واضحة أو أفق وظيفي عادل.
لقد حان الوقت لتتحمل الجهات الوصية مسؤوليتها السياسية والمؤسساتية، وتمنح لهذه الكفاءات ما تستحقه من اعتراف قانوني ومهني، لأن استمرار تجاهلها يعني خنق الإصلاح من الداخل، وتكريس الفوارق داخل نفس المنظومة الصحية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد