هبة زووم – مراكش
في الوقت الذي تُضخ فيه ملايير الدراهم في مشاريع رياضية كبرى بمراكش، وتُشيد ملاعب حديثة بمواصفات عالمية استعداداً لاحتضان التظاهرات الدولية، يعيش القطاع الصحي بالمدينة وضعاً مقلقاً يثير غضب المواطنين وتساؤلاتهم حول ترتيب الأولويات ومدى احترام الحق الدستوري في العلاج والرعاية الصحية.
فالمراكشيون، وهم يتابعون حجم الاستثمارات الموجهة للبنيات الرياضية، يجدون أنفسهم يومياً أمام واقع صحي صعب داخل عدد من المستشفيات العمومية التي تعاني من الاكتظاظ، ونقص الأطر الطبية والتمريضية، وضعف التجهيزات، وطول مواعيد العلاج والفحوصات، إضافة إلى شكاوى متكررة مرتبطة بسوء الاستقبال وانتشار مظاهر الفوضى والوساطة والرشوة.
هذا الوضع جعل كثيراً من المواطنين يعتبرون أن الأزمة لم تعد مجرد اختلالات ظرفية، بل نتيجة تراكمات طويلة وسوء تدبير وهيمنة منطق الترقيع على قطاع حيوي يرتبط مباشرة بحياة الناس وكرامتهم.
فالمواطن البسيط لا يبحث عن صور المشاريع العملاقة بقدر ما يبحث عن سرير شاغر، وطبيب مختص، ودواء متوفر، وخدمة تحفظ كرامته داخل المستشفى العمومي.
ويرى متتبعون أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في ضعف الإمكانيات، بل أيضاً في غياب حكامة صحية ناجعة قادرة على ربط المسؤولية بالمحاسبة، والتصدي لكل أشكال الفساد الإداري والتسيب التي تنخر بعض المؤسسات الصحية، وتُعمق معاناة المرضى وعائلاتهم.
وفي المقابل، يؤكد كثير من الفاعلين أن الإصلاح الحقيقي للمنظومة الصحية لا يمكن أن يتحقق بالشعارات أو التدخلات الموسمية التي تتحرك فقط تحت ضغط الاحتجاجات أو بعد تداول صور ومقاطع صادمة على مواقع التواصل الاجتماعي، بل يحتاج إلى إرادة سياسية قوية تُعيد الاعتبار للمستشفى العمومي باعتباره ركيزة أساسية للعدالة الاجتماعية.
ومنذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، ما فتئت التوجيهات الملكية تؤكد على ضرورة النهوض بالقطاع الصحي وضمان الحق في العلاج لكافة المواطنات والمواطنين، باعتباره حقاً أساسياً من حقوق الإنسان.
كما شكل ورش الحماية الاجتماعية وتعميم التغطية الصحية أحد أكبر المشاريع الاجتماعية بالمملكة، بهدف تسهيل الولوج إلى العلاج وتحسين جودة الخدمات الصحية.
غير أن تنزيل هذه التوجيهات على أرض الواقع يظل رهيناً بمدى قدرة المسؤولين على القطع مع منطق التدبير التقليدي، وتوفير الموارد البشرية الكافية، وتحسين ظروف اشتغال الأطر الصحية، وتزويد المستشفيات بالتجهيزات الضرورية، مع مراقبة صارمة لكيفية صرف الميزانيات العمومية المخصصة للقطاع.
إن التحدي الحقيقي اليوم بمراكش ليس فقط بناء ملاعب ومنشآت رياضية حديثة، بل بناء منظومة صحية تحترم الإنسان وتضمن له العلاج في ظروف تحفظ كرامته. فنجاح المدن لا يُقاس فقط بعدد المشاريع الكبرى، بل أيضاً بقدرتها على حماية صحة مواطنيها وتوفير خدمات عمومية تليق بتطلعاتهم.
تعليقات الزوار