بين الاستقالة و”تخراج العينين”: كيف تُدار الفضائح بين السياسي الإسباني والمغربي؟

هبة زووم – الرباط
في الوقت الذي تطيح فيه كذبة بسيطة أو سهو في سيرة ذاتية بمسؤولين سياسيين كبار في إسبانيا، نرى في المغرب وزراء يتورطون في قضايا أخلاقية ومالية واضحة، ومع ذلك يتشبثون بالكراسي كما لو أنها إرث خاص، بل ويخرجون إلى الرأي العام بوجوه “بلا قطرة حياء”، متقنين فن “تخراج العينين” وتبرير ما لا يُبرر.
نونييث… نائبة تستقيل من أجل شهادة غير مكتملة
القصة التي فجّرت الجدل في الجارة الشمالية بدأت مع نويليا نونييث، النائبة الشابة عن حزب الشعب الإسباني، والمعروفة بلقب “النائبة الحسناء”. شكك وزير النقل الاشتراكي أوسكار بوينتي في 21 يوليوز في صحة شهاداتها الجامعية، لتقر لاحقًا بأنها لم تكمل دراستها في القانون، ولا الإدارة العامة، ولا الفيلولوجيا الإنجليزية، كما زعمت سابقًا.
وبدل أن تدخل في لعبة الدفاع العقيم، أعلنت استقالتها في اليوم الموالي، 22 يوليوز الجاري، مبررة الأمر بأنه “خطأ غير مقصود” وأنها لا تنوي خداع أحد. خطوة فاجأت الرأي العام، لكنها أعادت إلى الواجهة ثقافة المساءلة السياسية، حيث تعلو القيم الأخلاقية على الحسابات الحزبية.
المسؤول المغربي… “أنا باقٍ ولو احترق الوطن”
في المغرب، الصورة معكوسة تمامًا. لدينا وزراء ومسؤولون، يتورطون في شبهات التهرب الضريبي، وخروقات التعمير، وإهدار المال العام، بل وحتى تعيين الأقارب والمحاسيب، ومع ذلك لا نسمع لا عن استقالات ولا عن محاسبة.
خذ مثلاً وزير العدل عبد اللطيف وهبي، الذي أثار الجدل في قضية هبة لزوجته بقيمة مشكوك فيها، أو فاطمة الزهراء المنصوري، وزيرة الإسكان، التي كشفت وثائق فجرها “جبروت” عن تناقضات في ملفات التعمير مرتبطة بعقارات في ملكية عائلتها، ومع ذلك، خرج الاثنان لوسائل الإعلام بكل “ثقة”، ينفيان، يتهربان، ويشتمون منتقديهم أحيانًا… ولا أحد يتحمل مسؤولية سياسية أو أخلاقية.
استقالات جماعية في إسبانيا.. وصمت مُخجل في المغرب
الفضيحة الإسبانية لم تقف عند نوييث. فقد تم الكشف عن قائمة طويلة من المسؤولين المتورطين في تزييف أو تضخيم مؤهلاتهم الأكاديمية، من بينهم: خوان مانويل مورينو، رئيس منطقة الأندلس، الذي ادّعى امتلاكه شهادة في إدارة الأعمال، تبيّن لاحقًا أنها غير حقيقية، بيلار بيرنابي، التي ادعت شهادة في الإعلام دون أساس، وحتى الوزير أوسكار بوينتي نفسه، الذي يلقب نفسه بـ”ماجستير”، رغم أن مؤهله لا يرقى لذلك.
وبينما استقال مسؤولون كثر، منهم خوسيه ماريا أنخيل، بدأ نقاش وطني موسّع في إسبانيا حول شفافية السير الذاتية، وضرورة تدقيق المؤهلات الأكاديمية لكل مرشح لمنصب عمومي.
المفارقة الصادمة أن المغرب لا يُعاني من قلة في الفساد فقط، بل من قلة في الحياء السياسي. لم نرَ في تاريخنا الحديث سياسيًا مغربيًا يستقيل بسبب كذبة في سيرة ذاتية، أو تضارب مصالح، أو فشل في تسيير مرفق عمومي. بل إن بعضهم يترقّى بعد الفشل، ويُكافأ على الصمت، ويُمدد له رغم الغضب الشعبي.
في خضم ذلك، تتآكل ثقة المواطنين، وتتعمق فجوة الشك، ويتحول العمل السياسي إلى وظيفة للامتيازات لا للمسؤوليات.
الفرق بين السياسي الإسباني والمغربي ليس في عدد الشهادات، بل في أخلاقيات الحكم والتدبير. ففي إسبانيا، قد تسقط بـ”كذبة صغيرة”، أما في المغرب، فقد تبقى على رأس الوزارة رغم “الفضائح الكبيرة”… فقط إذا كنت تعرف كيف تخرج في التلفاز وتقول بثقة: “أنا باقٍ… ومن لم يعجبه فليشرب من البحر”.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد