المحمدية: الملك العمومي يُنهب في وضح النهار والسلطات تكتفي بالتفرّج

هبة زووم – المحمدية
من مدينة كانت تُلقب بـ”مدينة الزهور” ونموذج للنظافة والتنظيم، تحولت المحمدية إلى ساحة فوضى مفتوحة، تتقاسمها مظاهر احتلال الملك العمومي والتجارة العشوائية، في ظل صمت رسمي مخجل وتهاون إداري مزمن.
فمن الأرصفة التي لم تعد صالحة للمارة، إلى الشوارع التي ضاق بها الخناق بين الباعة المتجولين وعربات الدفع اليدوي، تعيش المحمدية اليوم انفجارًا حضريًا صامتًا، يُهدد جمالية المدينة، ويقوض الحق في الولوج الحر والآمن للفضاء العام.
ظاهرة “الفراشة”، أو الباعة الجائلين، لم تعد مجرد نشاطًا اقتصاديا هامشيًا، بل تحولت إلى احتلال دائم ومنظم للمجال العام، دون أي تقنين أو تنظيم فعلي.
مشاهد الكراسي والطاولات والعربات المكدسة بالسلع أصبحت جزءًا من المشهد اليومي، خصوصًا في محيط الأسواق والأحياء التجارية، ما أدى إلى تشويه المظهر الحضري وزيادة مظاهر العشوائية.
ورغم المبادرات المتكررة للسلطات المحلية من أجل تنظيم القطاع، إلا أن كل الحملات السابقة انتهت دون أثر يُذكر، بسبب ضعف التنسيق، وتضارب المصالح، وغياب رؤية متكاملة توازن بين حق المواطنين في الشغل وحقهم في العيش في بيئة منظمة.
ليست التجارة العشوائية وحدها من تستبيح الملك العمومي في المحمدية، فحتى بعض سكان الفيلات والمنازل الراقية تورطوا في الاعتداء على الفضاء العمومي، بتحويل الأرصفة والمساحات الخضراء إلى حدائق خاصة أو مواقف سيارات “شخصية”، في تجاوز صارخ للقانون، وبتواطؤ ضمني أو صمت مطبق من السلطات المختصة.
وبات التمدد العمراني غير القانوني واقعًا مؤلمًا في عدة أحياء راقية وشعبية على السواء، في ظل غياب أي إرادة حقيقية لفرض القانون واستعادة هيبة المرفق العمومي.
كل من يتابع عن كثب ما يجري في المحمدية يلحظ بسهولة أن الملك العمومي تحوّل إلى ورقة انتخابية رابحة تُستغل كل خمس سنوات.
ففي وقت الحملات الانتخابية، يُمنح المواطنون وعودًا براقة بإعادة النظام إلى الشوارع، لكن ما إن تنتهي الحملة حتى يُطوى الملف، ويُترك السكان لمصيرهم في مواجهة الزحام والاحتقان والفوضى.
هذا السلوك السياسي الانتهازي، زاد من حالة الإحباط الجماعي، ودفع بعض المواطنين إلى تقليد غيرهم في احتلال الفضاء العام، تحت مبرر “الجميع يفعل ذلك، فلماذا لا أنا؟”، ما ينذر بتحول الظاهرة إلى سلوك مجتمعي طبيعي في غياب الردع والعقاب.
السؤال الذي يطرحه سكان المحمدية اليوم بمرارة: أين السلطات؟ وأين القانون؟ فهل تحتاج المدينة إلى فاجعة أو أزمة كي تتحرك المجالس المنتخبة والسلطات المحلية لوضع حد لهذا التسيب؟ أم أن الأمر سيظل مجرد “صداع مزمن” يُدار بالمهدئات الموسمية؟
لقد آن الأوان لفتح نقاش صريح حول سياسة تدبير الملك العمومي، بعيدًا عن الشعبوية والوعود الفضفاضة، وإقرار ميثاق حضري جديد يضمن التوازن بين الحق في العيش الكريم والحق في مدينة منظمة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد