تقرير رسمي: قروض الأسر تتصدر محفظة البنوك المغربية وتمركز القروض يثير القلق

هبة زووم – الرباط
كشف التقرير السنوي الثاني عشر حول الاستقرار المالي بالمغرب، الصادر عن كل من بنك المغرب، وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، والهيئة المغربية لسوق الرساميل، عن استمرار هيمنة القروض الممنوحة للأسر المغربية على محفظة البنوك الوطنية بنسبة 30%، ما يعكس الاعتماد المتزايد للمواطنين على الاقتراض في تدبير شؤونهم المعيشية وسط موجة غلاء خانقة.
في وقت يُفترض أن توجه القروض البنكية نحو تحريك عجلة الاقتصاد والاستثمار، يُظهر التقرير أن قروض الأسر لا تزال تتصدر المشهد البنكي، متفوقة على كافة القطاعات الاقتصادية الأخرى، وهو ما يثير تساؤلات حول دور القطاع البنكي في تمويل الاقتصاد الحقيقي مقابل الانكباب على الاستهلاك الفردي.
وتتوزع النسب المتبقية من المحفظة البنكية على النحو الآتي: الأنشطة المالية: 211 مليار درهم (18%)، الخدمات الأخرى: 116 مليار درهم (10%)، الصناعات التحويلية: 101 مليار درهم (8.7%)، البناء والأشغال العمومية: 96 مليار درهم (8.2%)، التجارة: 6.8%، الطاقة والماء: 6.2%، النقل والاتصالات: 3.6% والصناعات الاستخراجية: 3.3%.
ورغم إشادة التقرير بـ”التحكم في تنوع المحفظة”، إلا أن مؤشر التركيز المالي ارتفع إلى 0.142 سنة 2024 مقابل 0.136 سنة 2023، مما يشير إلى تصاعد نسبي في المخاطر المرتبطة بتمركز القروض في قطاعات أو جهات محددة.
الأكثر إثارة للقلق، هو ما كشفه التقرير من ارتفاع في تمركز القروض لدى كبار المقترضين، بنسبة 3.8%، ليصل إلى 536 مليار درهم، حيث تستحوذ أكبر 5 مجموعات فقط على 35.4% من هذا المبلغ، وأكبر 10 مجموعات على 51%، ما يعكس اختلالًا في توزيع التمويلات البنكية، ويطرح تحديات على صعيد المخاطر النظامية.
وتُظهر هذه المعطيات أن البنوك تواصل رهانها على المقترضين الكبار والأسر، باعتبارهم زبناء منخفضي المخاطر نسبيا مقارنة بالمقاولات الصغيرة والمتوسطة، مما يُضعف مساهمتها في تمويل المشاريع الإنتاجية ذات القيمة المضافة.
هذا التوجه لا يعكس فقط انكماش شهية البنوك للمخاطرة، بل يؤشر أيضا على غياب استراتيجية عمومية موجهة لتشجيع تمويل الاقتصاد الحقيقي، خاصة في ظل تعثر العديد من البرامج التي راهنت عليها الدولة لإدماج المقاولات الصغيرة في الدورة البنكية.
الارتفاع المهول في قروض الأسر، والتي باتت تمثل ثلث محفظة البنوك، يُطرح بحدة في ظل ارتفاع معدلات الفائدة، وتراجع القدرة الشرائية، حيث باتت الأسر المغربية تلجأ للاقتراض لتغطية نفقات المعيشة، والتعليم، والسكن، وحتى الاستهلاك الترفيهي، مما يعكس هشاشة الوضع الاقتصادي لفئات واسعة من المواطنين.
ما بين هيمنة القروض الاستهلاكية، وتمركز التمويل في يد قلة من المجموعات الكبرى، يبدو أن القطاع البنكي لا يزال بعيدًا عن لعب دوره كاملاً كرافعة تنموية.
ويُوصي خبراء بأن تتجه السياسات العمومية إلى: إعادة توجيه التمويل البنكي نحو الاستثمار والإنتاج، تشجيع البنوك على دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، تعزيز الرقابة على تمركز القروض لتفادي المخاطر النظامية وإعادة النظر في نماذج القروض الاستهلاكية التي تُثقل كاهل الأسر.
ويبقى سؤال من يخدم القطاع البنكي؟ مطروحًا بإلحاح كلما صدرت تقارير رسمية تتحدث عن “الاستقرار المالي”، في ظل واقع اقتصادي واجتماعي هش.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد