حسن غربي – الحسيمة
في زمن تتسارع فيه المدن نحو المستقبل، وتصبح مجالسها المنتخبة غرف قيادة ترسم خرائط التنمية، تقف مدينتي في مفارقة مريرة، كأن الزمن اختار لها مسارًا إلى الوراء.
المشهد العام للمدينة أشبه بمسرحية عبثية، تحمل عنوان “مسرحية الكراسي”، مستوحاة من أعمال يوجين يونسكو، لكن أبطالها الحقيقيون هم منتخبو المدينة أنفسهم.
لم تعد المجالس المنتخبة فضاءً لصياغة الأحلام الجماعية أو التخطيط لمستقبل الأجيال، بل تحولت إلى ما يشبه “دكاكين صغيرة لتوزيع الفوضى”.
المواطن يحصل على “رخصة” لاحتلال الرصيف هنا، و”تصريح” لإقامة كشك هناك، في حين تغيب المشاريع الكبرى والاستثمارات التي كانت وعودًا انتخابية براقة، وكأنها لم تكن سوى فقاعات صابون تلاشت عند أول هبوب للرياح.
السياسة المحلية في المدينة أصبحت عنوانًا لـ “تزييف المدن”. الساحات العامة، التي كانت تاريخيًا مكانًا للحوار وولادة الأفكار، تحولت إلى أسواق صراخ تسيطر عليها العربات والأكشاك المبعثرة.
الضجيج حل محل المعنى، والفوضى أصبحت سياسة رسمية لطرد أي فكرة قابلة للتطور. أي سؤال من المواطن حول المشاريع أو ملفات التنمية يُقابل بالصمت، لأن السؤال ببساطة أخطر من أي إجابة.
المنتخبون الذين يفترض أن يكونوا قادة يفتحون الأبواب نحو الغد، اختاروا أن يكونوا “وكلاء حصريين لتوزيع المسكنات”، تاركين خلفهم مدينة منهكة، شواطئ محتلة، وشوارع مكتظة بالعبث. مشاريعهم الضخمة في مدن أخرى، بينما هنا تُترك الأخلاق والكرامة ملفوفة في رخص بائسة.
هؤلاء المنتخون يظهرون كـ “ممثلين أوفياء” لمسرحية العبث، يملؤون الفضاءات بالضجيج ويحولون الوهم إلى إنجاز، لتُحجب الحقيقة بستار من الفوضى ويُزرع وهم الإنجاز بين الأرصفة والطوابير، في حين يستمر الزمن بخطى واثقة نحو الوراء.
تعليقات الزوار