هبة زووم – محمد خطاري
لا تزال أسعار اللحوم الحمراء والبيضاء في الأسواق المغربية تواصل منحاها التصاعدي، غير عابئة بالإجراءات الحكومية التي وُصفت قبل أشهر بأنها “كفيلة” بوقف نزيف الغلاء وضبط السوق.
ورغم الإعلان عن إلغاء شعيرة الذبح في عيد الأضحى لهذه السنة، وفتح السلطات الباب أمام استيراد الأبقار والأغنام من الخارج، إلا أن النتيجة النهائية على جيوب المواطنين ظلت صفراً، حيث بقيت الأسعار مرتفعة بشكل غير مسبوق، لتزيد من تدهور القدرة الشرائية في ظرف اقتصادي يصفه خبراء بـ”المختنق”.
المفارقة أن الوعود الرسمية كانت تُبشّر المواطنين بانخفاض ملحوظ في أسعار اللحوم مع دخول رؤوس الماشية المستوردة إلى السوق، غير أن الواقع جاء مخالفاً لذلك تماماً.
فبدل أن تتراجع الأثمنة كما كان متوقعاً، واصلت الارتفاع، لتتحول اللحوم –الحمراء والبيضاء معاً– إلى مادة شبه كمالية بالنسبة لشرائح واسعة من الأسر المغربية، التي أصبحت تكتفي بالاقتناء بالقطعة أو الاستغناء عنها نهائياً.
ويرجع عدد من المتتبعين هذا الوضع إلى غياب آليات حقيقية لتنظيم السوق وضبط سلاسل التوزيع. فالإجراءات الحكومية، في نظرهم، لم تتجاوز حدود “المسكنات” التي لا تلامس جوهر الأزمة.
ذلك أن الاستيراد، وإن ساهم في توفير العرض، لم يواكب بآليات مراقبة قادرة على منع المضاربات والاحتكار، وهو ما جعل المستهلك النهائي عاجزاً عن لمس أي أثر إيجابي في الأسعار.
إلى جانب ذلك، شكّل قرار إلغاء الذبح في عيد الأضحى –والذي كان من المفترض أن يخفّف الضغط على السوق– ورقة أخرى لم تؤت أُكلها، إذ سرعان ما التهمها واقع المضاربات وغياب المراقبة الميدانية، ليبقى المواطن الحلقة الأضعف أمام غلاء يتغذى من هشاشة التدبير أكثر مما يتغذى من ندرة العرض.
هذا المشهد المعقّد يتزامن مع فصل الصيف، حيث يرتفع الطلب على اللحوم بفعل تزايد المناسبات والرحلات العائلية والمطاعم الموسمية. وهو ما زاد الطين بلة، إذ وجد المستهلك نفسه محاصراً بين ارتفاع الطلب من جهة، وبين سوق لا ترحم من جهة ثانية، لتتكرس معادلة الغلاء في واحدة من أكثر المواد الأساسية حساسية.
ويُحذّر خبراء الاقتصاد من أن استمرار هذه الوضعية دون حلول جذرية قد يدفع السوق إلى مزيد من الانفلات، خاصة مع قرب الدخول الاجتماعي وما يحمله عادة من ضغط إضافي على المصاريف الأسرية.
فالمغاربة اليوم لا يشتكون فقط من أسعار اللحوم، بل من غلاء شامل يطال الخضر والفواكه والزيوت والحبوب، في وقت تتآكل فيه المداخيل بشكل مطّرد.
في المقابل، ترى أصوات حقوقية ونقابية أن الحكومة مطالبة بالانتقال من “إدارة الأزمة” إلى “حكامة السوق”، وذلك عبر إجراءات صارمة ضد الوسطاء والسماسرة، ووضع آليات واضحة لتحديد سقف الربح في المواد الغذائية الأساسية، إضافة إلى دعم مباشر للفئات الأكثر تضرراً. فاللحوم ليست مجرد سلعة استهلاكية، بل جزء من الأمن الغذائي للمغاربة، وأي مساس بها هو مساس مباشر بالاستقرار الاجتماعي.
ومع تعاقب البلاغات الرسمية والوعود الحكومية، بات السؤال المطروح بإلحاح: إلى متى سيظل المواطن المغربي رهينة حلقة مفرغة من الإجراءات الظرفية والوعود غير المتحققة؟ وهل يمكن لبلد يُراهن على “الدولة الاجتماعية” أن يقبل بتحويل اللحم – رمز المائدة المغربية – إلى مادة نادرة لا يقتنيها إلا من يملك فائضاً مالياً؟
الجواب، وفق محللين اقتصاديين، يكمن في الاعتراف أولاً بأن الأزمة ليست مجرد نتيجة لعوامل ظرفية مرتبطة بالمناخ أو العرض والطلب، بل هي انعكاس لاختلالات هيكلية عميقة في منظومة الإنتاج والتوزيع والتسويق.
وهي اختلالات إن لم تُعالج جذرياً، فإن موجات الغلاء ستبقى تتكرر بوتيرة أشد، لتجعل من المواطن أول ضحية، ومن الثقة في التدبير العمومي أول الخاسرين.
تعليقات الزوار