الدار البيضاء.. مقبرة الغفران بين الإهمال وغياب الرؤية في عهد العمدة الرميلي

هبة زووم – الدار البيضاء
في قلب الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب، تقف مقبرة الغفران شاهدة على مشهد صادم من الإهمال والفوضى.. فبدل أن تكون فضاءً مهيباً يحفظ حرمة الأموات وكرامة الأحياء، تحولت إلى فضاء يعكس خللاً عميقاً في تدبير الشأن المحلي، وفشلاً في حماية ما يعتبر من أقدس المرافق في الوجدان الجماعي للمغاربة.
من يزور مقبرة الغفران يصطدم منذ الوهلة الأولى بواقع صادم: جدران متآكلة، شواهد مهدمة، طرقات ترابية غارقة في الغبار أو الوحل، قبور بلا أسماء، وممرات محاصرة بأكوام القمامة، بل إن بعض جنباتها تحولت إلى ملاذ للمتشردين والكلاب الضالة، ومكان لرمي النفايات، في مشهد ينتهك حرمة الموتى ويستفز مشاعر ذويهم.
وأمام ما يحدث، تناسلت مجموعة من الأسئلة بإلحاح: أين ذهبت أموال الأوقاف المخصصة أصلاً لصيانة المقابر؟ لماذا تغيب الجماعة الترابية عن أداء واجبها في تدبير هذا المرفق الحيوي؟ ولماذا يظل ملف المقابر في ذيل أولويات التدبير الحضري، رغم مكانته الرمزية والدينية؟
الإشكال، كما يرى عدد من المتابعين، ليس تقنياً فقط، بل أخلاقي وسياسي بامتياز. فالتهاون في تدبير المقابر يكشف خللاً في الرؤية، واستخفافاً بقدسية الموتى، وغياباً لسياسات واضحة في إدارة أموال الأوقاف بما يخدم المجتمع.
هذا، وتتقاسم المسؤولية أطراف عدة: وزارة الأوقاف بصفتها الوصي على جزء من التمويل، والجماعة الحضرية بقيادة العمدة نبيلة الرميلي بصفتها المدبرة للشأن المحلي، ثم السلطات الإقليمية باعتبارها جهة إشراف ومراقبة. لكن النتيجة واحدة: إهمال ممنهج جعل مقبرة الغفران تتحول إلى أطلال مهجورة.
عدد من سكان الدار البيضاء لم يخفوا غضبهم من هذا الوضع، مطالبين بتدخل عاجل يعيد الاعتبار لمقبرة الغفران عبر إعادة تهيئة الممرات وتعبيد الطرق الداخلية، توفير الأمن لحماية الزوار من الاعتداءات والكلاب الضالة، تسييج بعض الفضاءات لمنع تحولها إلى مطرح للنفايات أو مأوى للغرباء، مع اعتماد صيانة دورية بدل الحملات الموسمية التي لا تلامس جوهر المشكل.
القضية لا تتعلق بمجرد فضاء مهمل، بل بذاكرة ووجدان أمة. فحين تتحول مقابر الأجداد إلى مكبات قمامة، يصبح السؤال وجودياً: كيف نطالب باحترام حقوق الأحياء ونحن عاجزون عن صون حرمة موتانا؟
إن مقبرة الغفران ليست سوى نموذج واحد لما تعرفه مقابر الدار البيضاء ونواحيها، حيث يتكرر المشهد نفسه من الفوضى والإهمال، ما يكشف أزمة تدبير حضري عميقة، تعجز عن تحقيق التوازن بين الأولويات المعيشية للأحياء، والحفاظ على رمزية الموتى.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد