هبة زووم – حسن لعشير
يتحوّل حي توسعة تطوان، المعروف بـ”الإنسانشي”، إلى شاهد صامت على سياسة الإهمال الممنهج وطمس الهوية العمرانية تحت ذريعة الإصلاح، في وقت يرفع فيه فريق العدالة والتنمية بجماعة تطوان نبرة الانتقاد تجاه ما يعتبره “جريمة حضرية” في حق إحدى أهم المعالم التي تحمل ذاكرة المدينة الحديثة.
هذا الحي، الممتد من شارع موريطانيا إلى شارع الجزائر مرورًا بساحة مولاي المهدي وشارع إفران، شُيّد في عهد الحماية الإسبانية (1913–1956) ليشكل نموذجًا عمرانيًا فريدًا يجمع بين الطابع العسكري والحداثة الأوروبية.
وتكفي الإشارة إلى بناياته المميزة، من “البافيونات” السكنية إلى المؤسسات التعليمية الإسبانية مثل “سيرفانتيس”، لتتضح قيمته التاريخية والثقافية.
غير أنّ واقع اليوم يكشف عن مشهد مغاير: تهميش، تدخلات ارتجالية، وتحوّل الساحات التاريخية إلى فضاءات فاقدة للانسجام البصري والوظيفي.
استنكار المعارضة وسؤال المسؤولية
فريق العدالة والتنمية بجماعة تطوان عبّر عن استنكاره العميق لطمس هوية الحي، موجّهًا أصابع الاتهام للجماعة الحضرية ووزارة الثقافة والشباب والرياضة، باعتبارهما مسؤولتين مؤسساتيًا وقانونيًا عن حماية التراث العمراني بموجب القانون رقم 22.80 المتعلق بالمحافظة على المباني التاريخية والتحف الفنية.
الانتقادات تركزت بالأساس على ساحة الجلاء التي عرفت إصلاحات وُصفت بـ”غير الموفقة”، أُعدم خلالها التمثال الفني التاريخي واستُبدل بآخر يفتقد الانسجام مع الطابع المعماري الأصلي.
وحتى بعد إعادة التهيئة، لم تحقق الساحة الأهداف المعلنة، إذ تحولت إلى فضاء محفوف بالمخاطر بسبب انتشار كرات حجرية متوسطة الحجم، وُضعت بطريقة عشوائية تهدد سلامة المارة، خصوصًا الأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة.
ممر دار الراعي.. من ذاكرة المقاومة إلى فضاء مهجور
الأمر لا يتوقف عند الساحات فقط؛ فـممر دار الراعي، الذي يحمل اسم المعركة الشهيرة التي خاضتها المقاومة الجبلية ضد الاستعمار الإسباني في بني حزمار، أصبح بدوره عنوانًا للإهمال.
هذا الممر الذي كان يزدان بسلالم حجرية طبيعية تزيد بريقًا مع مرور الزمن، تحوّل اليوم إلى فضاء مهجور ومرتَع للتبول العشوائي وتربية القطط الضالة، في ظل صمت السلطات المحلية وعلى رأسها مقاطعة مولاي المهدي، التي تتغاضى عن هذه الممارسات غير اللائقة.
ذاكرة مهددة بالاندثار
رغم أن وزارة الثقافة صنّفت حي الإنسانشي ضمن النسيج التاريخي لتطوان، إلا أن هذا الاعتراف لم يُترجم إلى حماية فعلية أو برامج ناجعة لصون الهوية الجمالية والحضارية للمنطقة، بل إن التدخلات الحالية تكشف غياب رؤية هندسية تراعي معايير السلامة والبعد الاجتماعي والجمالي للفضاء العام.
اليوم، يقف الرأي العام المحلي أمام سؤال جوهري: من يتحمّل مسؤولية هذا الوضع؟ وهل سيبقى حي توسعة تطوان مجرد عنوان لإهمال مؤسساتي مزمن، أم أن هناك إرادة حقيقية لإعادة الاعتبار لهذا الموروث الحضاري الذي يشكل جزءًا من ذاكرة المدينة وهويتها؟
تعليقات الزوار