هبة زووم – بني ملال
لم تعد ظاهرة التسول في بني ملال مجرّد مظهر اجتماعي عابر، بل تحوّلت إلى مشهد يومي يؤثث شوارع المدينة، وإلى نشاط منظم له شبكاته وأساليبه الخاصة في اختيار الزمان والمكان. فكل زاوية أو إشارة مرور أو مدخل مسجد، صارت ساحة عرض لمعاناة مكشوفة ولامبالاة رسمية فاضحة.
في زمن تتحدث فيه الدولة عن “الجهوية المتقدمة” و”العدالة الاجتماعية”، تعيش بني ملال مفارقة صارخة: مدينة غنية بمواردها الطبيعية والفلاحية، لكنها فقيرة في تدبيرها الاجتماعي، تُركت لتغرق في فوضى التسول حتى غدت “عاصمة للتمدّد الإنساني البائس”.
الوالي بنريباك، الذي يفترض فيه أن يكون الحارس الأول لكرامة المواطن، يبدو منشغلاً عن هذه الكارثة اليومية، وكأن ما يجري في شوارع المدينة لا يعنيه.
فالمشهد لم يعد مقتصرًا على كبار السن أو ذوي الإعاقة، بل شمل أطفالًا ونساءً وشبابًا، بعضهم يدّعي الحاجة، وبعضهم يُستغل ضمن شبكات احترافية تدير التسول كمهنة ومصدر رزق.
والأخطر أن شوارع بني ملال لم تعد تعرف فقط المتسولين المغاربة، بل شهدت في السنوات الأخيرة حضورًا متزايدًا لمتسولين من إفريقيا جنوب الصحراء، في مشهد يكشف عجز السلطات عن ضبط الحدود الاجتماعية للمدينة، أو حتى تنظيم الفضاء العام الذي تحوّل إلى مسرح للفوضى والتهميش.
الواقع في بني ملال لا يحتاج إلى إحصاءات أو دراسات ميدانية؛ فالفقر يُرى بالعين المجرّدة ويُسمع في الأصوات المتوسلة في الأسواق والمحطات والمقاهي.
ومع ذلك، يبدو أن المسؤولين اختاروا سياسة “التطبيع” مع المشهد، حتى صار التسول جزءًا من “الطابع المحلي” للمدينة، تمامًا كما يتقبل الناس الغبار في الصيف أو البرد في الشتاء.
إن استمرار هذا الوضع لا يعبّر فقط عن أزمة اجتماعية، بل عن فشل إداري مزمن، وعن غياب رؤية تنموية حقيقية من طرف الوالي بنريباك وفريقه الترابي، الذين حوّلوا مدينة كانت يومًا منارة للجهة إلى فضاء تتجسد فيه كل ملامح الفقر والتهميش والعجز عن الفعل.
بني ملال اليوم تنزف، ليس من الجوع فقط، بل من غياب الكرامة. ومن لم يرَ في جحافل المتسولين رسالة فشل واضحة، فليعلم أن المدن لا تُقاس بعماراتها أو طرقها، بل بكرامة أبنائها.
تعليقات الزوار