الرشيدية.. قطاع الصحة يُدار عن بُعد والمندوب الجهوي يسير بـ”التلكومند”

هبة زووم – الرشيدية
يعيش قطاع الصحة بجهة درعة تافيلالت، وبالخصوص بإقليم الراشيدية، وضعًا مقلقًا أثار غضب الساكنة واحتجاجات مهنيي القطاع، في ظل ما وُصف بـ“الغياب الفعلي” للمندوب الجهوي للصحة، الذي يُقال إنه يُدير القطاع من مدينة تطوان عبر “التلكومند”، تاركًا الجهة تواجه أعطابها البنيوية المزمنة دون إشراف ميداني حقيقي.
في زمنٍ ليس ببعيد، كانت شعارات من قبيل “الصحة للجميع” تُرفع كرمز للأمل والكرامة الاجتماعية، وتُقدَّم على أنها التزام من الدولة تجاه المواطن البسيط. غير أن الواقع اليوم – كما يصفه المهتمون – أصبح نقيضًا لهذه الوعود، بعدما تحوّلت المستشفيات العمومية إلى فضاءات مثقلة بالأعطاب، يغيب فيها الحد الأدنى من الخدمات الإنسانية.
زيارة واحدة لأي مؤسسة صحية عمومية بالراشيدية تكشف حجم التدهور: بنايات متقادمة، قاعات انتظار مكتظة، ومواطنون يصطفون في طوابير طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة أو في أروقة باردة دون أن يجدوا طبيبًا أو دواءً.
الكثيرون يدخلون المستشفى بآخر ما تبقّى لديهم من أمل، ليخرجوا منه مثقلين بالإحباط بعد أن يُطلب منهم الأداء مقابل خدمات يفترض أن تكون مجانية، فيما تصبح شهادة الفقر بلا جدوى.
“الصحة العمومية تحولت إلى عبء بدل أن تكون طوق نجاة”، يقول أحد الفاعلين الجمعويين بالمنطقة، مضيفًا أن “الغياب شبه التام للمسؤولين يجعل الأمور تسير بشكل عشوائي، وكأن الإقليم خارج خريطة الوطن الصحي”.
تتزايد الانتقادات للمندوب الجهوي الذي – حسب مصادر نقابية – “يدير القطاع من تطوان”، ما جعل العديد من الملفات عالقة والمشاكل تتراكم دون حلول. هذا الغياب ينعكس على المستشفيات الإقليمية والمراكز الصحية، التي تعمل بأطر محدودة وتجهيزات متآكلة، في وقت تحتاج فيه الجهة إلى قرارات ميدانية عاجلة لا إلى أوامر تصدر من خلف شاشة حاسوب.
تدهور الخدمات الصحية لم يعد مجرد خلل إداري، بل أصبح أزمة ثقة. فحين يشعر المواطن أن الدولة تتخلى عنه في أكثر لحظات ضعفه، يفقد جزءًا من إحساسه بالمواطنة والانتماء.
ويحذر مهتمون بالشأن الصحي من أن استمرار هذا الوضع، دون مساءلة حقيقية للمسؤولين عنه، يعني المزيد من الانهيار، ليس فقط في المنظومة الصحية بل في العقد الاجتماعي نفسه.
لم يعد المواطن في الراشيدية بحاجة إلى خطابات “الإصلاح” و”التأهيل”، بقدر حاجته إلى فعل حقيقي يُعيد الاعتبار إلى المريض كمواطن له حق في العلاج الكريم، وإلى الطبيب كممارس يُقدّر مهنته، وإلى المستشفى كمرفق عمومي لا كمحطة انتظار للمعاناة.
فالإصلاح يبدأ من الاعتراف بالمشكلة، ومن إرادة سياسية تُحاسب المقصّرين بدل أن تبرر غيابهم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد