هبة زووم – برشيد
في الوقت الذي يفترض فيه أن يكون الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي مؤسسة لحماية الحقوق الاجتماعية للمواطنين، تكشف الوقائع الجارية داخل وكالة برشيد عن واقع يناقض تماماً ما يروج في التقارير الرسمية.
فبدل أن يكون الصندوق صمام أمان للعمال وأرباب العمل، تحوّل ــ وفق شهادات متطابقة ــ إلى منصة لتصفية الحسابات السياسية بين نافذين، لا يترددون في استعمال آلياته للضغط والإخضاع وإقصاء الخصوم.
مصادر محلية تؤكد أن الوكالة أصبحت في الأشهر الأخيرة مسرحاً لزيارات انتقائية تستهدف مؤسسات بعينها دون غيرها، وكأنها جزء من لعبة سياسية مكشوفة تُستعمل فيها ملفات العمال باعتبارها “ذخيرة” انتخابية.
فالتركيز المتكرر على بعض المقاولات لم يعد يُقرأ في إطار المراقبة القانونية، بقدر ما بات يُفهم أنه استعمال فج لمؤسسة عمومية في معارك نفوذ لا علاقة لها بالقانون ولا بمصلحة المواطني
عودة الفوضى إلى وكالة برشيد ليست حدثاً معزولاً، بل انعكاس لأزمة بنيوية أعمق في منظومة التدبير داخل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
فغياب الصرامة في المراقبة وترك الحبل على الغارب لمن ليست لهم علاقة بالمهنية والشفافية جعل من الوكالة فضاءً مفتوحاً للارتجال والانفلات الإداري.
مشاهد الانتظار الطويل، وتعطل الأنظمة المعلوماتية، وانقطاع صبيب الإنترنت، وتأجيل الملفات لأسابيع وشهور، كلها تفاصيل تُظهر حجم الانهيار الذي يعيشه هذا المرفق الحيوي.
مواطنون قدموا من مناطق بعيدة داخل الإقليم يضطرون للوقوف ساعات عند الباب، ثم ساعات إضافية بالداخل، قبل أن يُصدموا بجملة واحدة تتكرر كل يوم: “السيستيم طايح”.
هذه العبارة تحولت إلى عنوان لفشل إدارة كاملة فشلت في توفير الحد الأدنى من الخدمة، رغم الحديث المتكرر عن الطفرة الرقمية وإصلاح الإدارة العمومية.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بحدة: هل يعلم حسن بوبريك، المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بما يحدث داخل وكالة برشيد؟
وإذا كان يعلم، فلماذا لم يتحرك لتصحيح هذا الوضع الشاذ؟ وإذا كان لا يعلم، فهذه مصيبة أكبر، لأنها تكشف عن غياب قنوات حقيقية للمراقبة والمحاسبة، وعن منظومة تشتغل في الظل بعيداً عن أعين الإدارة المركزية.
ما يجري اليوم يضرب مصداقية واحدة من أهم المؤسسات الاجتماعية في المغرب، ويهدد الثقة في مشروع التغطية الصحية الشاملة الذي تراهن عليه الدولة.
فلا نجاح لأي إصلاح إذا ظلت الوكالات غارقة في الأعطاب التقنية والبيروقراطية والازدواجية، وإذا استمرت بعض الأجهزة في استغلال نفوذها لتوجيه الملفات حسب الهوى والولاء.
مطالب الساكنة بسيطة وواضحة: تحقيق شفاف حول أسباب التركيز المتكرر على مؤسسات معينة دون غيرها، مراجعة أساليب التدبير داخل الوكالة، تزويد الملحقة بصبيب إنترنت قوي، إصلاح الأنظمة المعلوماتية بشكل آني بدل انتظار الأسابيع كلما تعطل برنامج، مع توجيه الموظفين لتحسين العلاقة مع المواطنين، خاصة أن أغلب المرتفقين من الطبقات الهشة.
إن استمرار هذا الوضع يهدد ثقة المواطن في واحدة من أهم المؤسسات العمومية، ويحوّل الضمان الاجتماعي من آلية للحماية إلى مصدر إضافي للمعاناة.
تعليقات الزوار