هبة زووم – إلياس الراشدي
لم تعد الجديدة تلك المدينة الهادئة التي تُعرف بخضرتها وفضاءاتها الطبيعية الواسعة، اليوم تتقدم كتلة إسمنتية هائلة بسرعة غير مسبوقة، تُغطي الأرض وترتفع في السماء، لكنها لا تنجح في إخفاء المشاكل الحقيقية التي تعيشها المدينة.
فبين المباني الجديدة التي تُقام في كل زاوية، وبين الطرق التي تتشقق تحت ضغط التوسع العمراني، تبرز صورة مدينة تكبر بلا رؤية، وتتوسع بلا ميزان.
يبدو للوهلة الأولى أن الجديدة تعيش نهضة عمرانية، لكن الواقع يكشف أن المسألة أقرب إلى فوضى تمدد حضري غير متحكم فيه، بنايات ترتفع دون تنسيق بصري أو قواعد واضحة، وأحياء تنشأ في أيام، بينما المرافق العمومية تحتاج سنوات لتلحق بها. الإسمنت يتمدد بسرعة، أما جودة الحياة فتتراجع بنفس الوتيرة.
إذا كانت الشوارع في الصيف تبدو عادية، فإن أول قطرات المطر تكشف هشاشة الشبكة، انسداد القنوات، فيضانات محلية، وتسرّب المياه إلى بعض المنازل، كل هذا يحدث لأن المدينة تكبر أسرع بكثير من قدرة بنيتها التحتية على التكيّف، إنه الخطر الذي يختبئ تحت الأرض، لكنه يظهر كل شتاء بوجهه الحقيقي.
رغم وجود شركات تدبير حديثة، تبقى مشكلة النفايات جزءاً من الحياة اليومية للجديديين، الروائح، تراكم الأزبال، غياب الحاويات في بعض الأحياء، وتوترات متكررة حول مطرح المدينة، كلها مؤشرات على أن تدبير القطاع يعاني من خلل هيكلي لا يخفيه أي تبرير.
إن الزحف الإسمنتي في الجديدة ليس علامة ازدهار، كما قد يبدو، بل هو ستار يحاول إخفاء مشاكل عميقة وجذرية، فمدينة بهذا الحجم وهذا الموقع يجب أن تُدار برؤية، بتخطيط، وبحكامة لا تحتمل المجاملة أو الارتجال.
وأمام ما يقع، يتم تداول الكثير من الأسئلة حول أداء العامل صالح دحى، القادم من عمالة غادرها تحت ضغط احتجاجات السكان، هذا المعطى، بالنسبة لساكنة الجديدة، ليس مجرد تفصيل، بل بداية الشك في قدرة الرجل على إدارة إقليم يتمدد ويفقد بوصلته بسرعة.
ويبدو أن عدداً من سكان الجديدة باتوا يتساءلون ما إذا كان الإقليم قد دخل مرحلة جديدة من المعاناة مع أولى خطوات العامل الجديد.
فهل ستظل المدينة أسيرة الإسمنت؟ وهل سيستمر منطق الارتجال في تدبير القضايا الكبرى؟ أم ستبقى مشاكل البنية التحتية والنفايات والتمدد العشوائي مجرد تفاصيل داخل خطاب رسمي يُفضل الصمت على المواجهة؟
المدينة اليوم تقف اليوم عند مفترق طرق واضح: إما أن تستعيد روحها بالاعتماد على رؤية عمرانية واضحة وحكامة رشيدة.. وإما أن تستمر في الانحدار الصامت، حيث يتكلم الإسمنت، ويصمت كل شيء آخر.
تعليقات الزوار