العامل صالح دحا يغيّر قواعد اللعبة في الجديدة: “صحافة التنكاف” غاضبة والإدارة تُعيد ترتيب البيت الإعلامي
هبة زووم – إلياس الراشدي
منذ أن اعتلى صالح دحا منصب عامل إقليم الجديدة، برزت ملامح تحوّل غير مسبوق في علاقة العمالة بوسائل الإعلام المحلية، وإذا كانت الشكايات الأولى التي ظهرت تتحدث عن “إقصاء” الصحافة من الاجتماعات الميدانية، فإن قراءة أعمق للمشهد تكشف أن الغاضبين لم يكونوا سوى فئة من “صحافة التنكاف” التي اعتادت على حضور الأنشطة الرسمية بروح التطبيل لا بروح المتابعة المهنية.
فالمتابعون للشأن العام يؤكدون أن الأصوات التي ارتفعت للاحتجاج لم تكن دفاعاً عن حق الصحافة في الوصول إلى المعلومة، بقدر ما كانت تعبيراً عن غضب فئة تعوّدت على احتلال الصفوف الأمامية دون أداء حقيقي.
هذه الفئة، التي ظلت لعقود تعتبر لقاءات العمالة مجالاً للتقرب والتقاط الصور، فوجئت بأن العامل الجديد أغلق الباب أمام التطبيل وفتح المجال أمام عقلنة المرحلة الأولى من العمل الميداني.
يبدو اليوم أن العامل الجديد وعى الدرس مبكراً، فقد وصل إلى الإقليم في وقت أصبحت فيه العلاقة بين الإدارة والصحافة رهينة حسابات ضيقة، كانت تُدار في الكثير من الأحيان بمنطق الولاء لا المهنية، وبمنطق القرب لا الكفاءة.
ويجمع مراقبون على أن الرجل يسعى إلى بناء علاقة جديدة مع الإعلام، علاقة تقوم على المهنية واحترام ضوابط التواصل المؤسساتي، لا على منطق “الصحافة المرافقة” التي تُصفّق لكل خطوة وتبارك كل قرار.
ولم يكن خافياً على الفاعلين المحليين أن العامل السابق محمد العطفاوي كان يفضّل أن يحيط نفسه بما يصطلح عليه محلياً بـ”صحافة التنكاف”؛ صحافة لم تكن تُزعجه، ولم تكن تطرح أسئلة مزعجة، وكانت تتخذ من الأنشطة الرسمية مادة جاهزة للتلميع.
في المقابل، تُجمع مصادر متعددة على أن العطفاوي كان يُبعد الصحفيين الذين يمارسون نقداً حقيقياً، ويعتبر حضورهم “إحراجاً” لروايته الرسمية.
اليوم، يبدو أن العامل الجديد اختار الاتجاه المعاكس: لا تفضيل لأحد، لا امتيازات جاهزة، ولا مقاعد محجوزة للمسبحين بحمد المسؤولين، بل مقاربة جديدة تعتبر أن الإعلام شريك حين يمارس المهنية، وعبء حين يتحول إلى ذراع علاقات عامة.
ورغم أن بعض الأصوات تصرخ بـ”الإقصاء”، فإن مصادر داخلية تستبعد أن يكون الأمر سياسة دائمة، بل هو تنظيم أولي يسبق وضع استراتيجية تواصلية حديثة تعيد ترتيب العلاقة بين الإدارة والصحافة على أسس واضحة: الاحترام، النزاهة، المهنية.. لا التنكاف.
فالعمالة لم تُصدر أي قرار رسمي بمنع الإعلام، لكنها في المقابل لم تعد تسمح بحضور غير المنتمين لمؤسسات حقيقية أو أولئك الذين يستغلون الأنشطة الرسمية للابتزاز أو لبناء مكانة اجتماعية زائفة.
إذا كان عهد العطفاوي قد رسخ علاقة ملتبسة مع الإعلام، فإن عهد صلاح دحا قد يكون بداية لشيء مختلف: عودة الصحافة الجادة إلى الواجهة، وإبعاد من اعتادوا على الارتزاق بالصور والتطبيل والولاءات.
وقد يكون هذا التحول الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح، خصوصاً إذا أرفقه العامل لاحقاً باستراتيجية واضحة للتواصل، تجعل من المهنية معياراً، ومن النقد البنّاء حقاً مضمونا، ومن الشفافية ممارسة يومية لا استثناء.
في الأخير، يبقى السؤال: هل سيصمد العامل الجديد أمام الضغط الذي تمارسه “صحافة التنكاف”؟ أم أنه ماضٍ بثبات في إنهاء إرث إعلامي مترهل تركه سلفه؟
الأيام المقبلة ستكشف حجم عمق هذا التحول… وحجم مقاومة من اعتادوا العيش في ظل الامتيازات السهلة.