فنان الدولة.. حين يتحوّل الجمال إلى وظيفة تحت وصاية السلطة

هبة زووم – زبير
في المغرب، كما في كثير من البلدان، يولد الفنان محاطاً بثنائية حارقة: حرية الإبداع وقيود السلطة، جمال الفن وضغط المؤسسات، صوت الذات وسط ضجيج التعليمات.
ومن رحم هذا التناقض، يتشكل ما يمكن تسميته بـ“فنان الدولة”؛ نموذج فنيّ مُهذّب، مُروَّض، أنيق بما يكفي ليناسب المهرجانات الرسمية، وخافت بما يكفي ليزعج أحداً.
فنان الدولة لا يصرخ ولا يعترض. يطلّ محسوباً بدقّة، صوته مضبوط على تردد لا يخرج عن “النغمة الرسمية”. هو الحاضر دائماً في التقارير، والغائب دائماً عن الشارع.
تُكرَّم صورته وتُنسى رسالته، لأنه نتاج منظومة تُصنّع الفنان بقدر ما تصنّع الخطاب: فنان ببلاغات أكثر مما هو بصوت، وبمكاسب أكثر مما هو بمواقف.
في بيئة تُوزَّع فيها الألقاب كما تُوزَّع المناصب، يصبح الفن مسألة ولاء قبل أن يكون مسألة ضمير. والدولة التي تخاف من الحرية، لا تُحب الفنان الحر، بل تُحب الفنان الذي يجعل الخضوع يبدو جميلاً، ويحوّل المهرجان إلى بديل عن الوعي، والاحتفال إلى قناع يُخفي الشقوق.
هكذا تُصنع فئة من الفنانين تُبرّر الركود باسم “الاستقرار”، وتُجمّل العطب باسم “الدعم”، وتُشرعن الصمت باسم “السياسة الثقافية”.
لكن في الهامش، حيث فشل الضوء الرسمي في الوصول، يولد فنان آخر: فنان الحرية.
فنان يزعج أكثر مما يُطمئن، ويخترق أكثر مما يُزيّن. لا ينتظر دعماً، لأنه يجعل من عوزه مادة للإبداع، ومن صمته احتجاجاً، ومن وحدته مساحة للصدق.
هو ابن الأزقة والمقاهي، ابن المسارح الصغيرة، ابن الخشبات التي لا تملك أضواء لكنها تملك روحاً. صوته يشبه الرعد، وموهبته تشبه المطر. لا يطلب التصفيق، بل يطلب اليقظة.
لا يبحث عن صورة في جدارية رسمية، بل عن معنى في ذاكرة الناس. فنان الدولة زائل بزوال الدعم… وفنان الحرية خالد بجرحٍ صادق.
فالفن حين يُخضَع يفقد قدسيته، وحين يتحرّر يتحوّل إلى وجه آخر للحقيقة. والزمن لا يرحم الأقنعة: تنطفئ أضواء المهرجانات، يصمت التصفيق المأجور، وتبقى في العتمة تلك الأصوات التي تصرخ من قلب الصدق.
من رماد الفنان المروَّض، ينهض الفنان الذي يحترف السقوط دون أن ينكسر. لا ينتظر الاعتراف، لأن وجوده نفسه فعل احتجاج. يخلق مسرحه من ظل عمود، يحوّل القهر إلى لحن، ويعيد تعريف الجمال باعتباره مقاومة قبل أن يكون زينة.
في نهاية المطاف، ينقسم الفنانون إلى نوعين: من يطارد الاعتراف، ومن يصنع قيمته من داخله. الأول يرتفع بمدح الآخرين ويسقط بصمتهم، أسير التصفيق، رهين نظرات العابرين. والثاني جذوره مغروسة في وعيه، لا تتحرك بنسيم المجاملة ولا تهتز بعواصف النقد.
الأول يبيع نفسه بثمن الرضا المؤقت، والثاني يحمي روحه بحقيقة لا تتغير بتغيّر الوجوه، وبين الاثنين، يُصنع المستقبل الثقافي لوطن يبحث عن فنه الحقيقي: فَنٌّ حرّ، متمرّد، يشبه أول نغمة في فجر بلا رقابة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد