المصحات الخاصة تخرق التعريفة المرجعية والمرضى يؤدون ثمن الصمت والفراغ الرقابي

هبة زووم – الرباط
رغم أن تعميم التغطية الصحية قُدِّم للرأي العام باعتباره ورشًا وطنيًا يهدف إلى ضمان الحق في العلاج، وتحقيق العدالة الصحية، فإن واقع الممارسة داخل عدد من المصحات الخاصة يكشف مفارقة صادمة: قوانين واضحة على الورق، وانفلات مقلق في الواقع، يدفع ثمنه المرضى وذووهم من جيوبهم وصحتهم وكرامتهم.
فالتعريفة المرجعية الوطنية، التي يفترض أن تشكل سقفًا قانونيًا لأثمان الخدمات الصحية، تحولت في عدد من المصحات إلى مجرد رقم نظري لا يُعتدّ به، حيث تُفرض على المرضى، خاصة في حالات الاستعجال أو العلاجات المكلفة، فروقات مالية إضافية خارج أي سند قانوني، في ممارسات أقرب إلى الابتزاز الصحي منها إلى تقديم خدمة علاجية.
الأخطر في هذه التجاوزات ليس فقط حجم المبالغ المفروضة، بل السياق الذي تُفرض فيه: مريض في وضعية هشاشة، أسرة تحت ضغط الخوف والاستعجال، وغياب أي بديل علاجي فوري.
في مثل هذه الظروف، يجد المواطن نفسه مجبرًا على الأداء، لا عن اقتناع، بل تحت الإكراه، في خرق صريح لمبدأ الرضائية، وللقوانين المؤطرة للعلاقة بين المصحات والمؤمنين.
وتزداد الصورة قتامة حين يُحرم المرضى أحيانًا من فواتير مفصلة، أو تُقدَّم لهم وثائق غامضة لا تعكس حقيقة المبالغ المؤداة، ما يفرغ التأمين الصحي من مضمونه، ويجعل التغطية الصحية شكلية، لا تحمي المؤمن ولا تصون حقه في العلاج العادل والمنصف.
هذه الممارسات تطرح أسئلة محرجة حول دور وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، وحول نجاعة آليات المراقبة والزجر، بل وحول جدية الدولة في فرض احترام القانون داخل قطاع حساس وحيوي كالصحة.
فكيف يُعقل أن تستمر هذه التجاوزات بشكل شبه علني، دون أن تترتب عنها عقوبات رادعة؟ وأين هي لجان التفتيش؟ وما مصير الشكايات التي يضعها المواطنون لدى الجهات المختصة؟
إن استمرار بعض المصحات الخاصة في خرق التعريفة المرجعية، دون خوف من المحاسبة، يعكس خللاً عميقًا في منظومة الحكامة الصحية، ويغذي الإحساس العام بأن منطق الربح يعلو على حق المواطن في العلاج، وأن صحة المغاربة تحولت، في بعض الحالات، إلى سلعة خاضعة لقانون السوق، لا لروح الدستور ولا لمنطق العدالة الاجتماعية.
وفي هذا السياق، يكتسي السؤال البرلماني الذي وجهه خالد سطي، عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أهمية خاصة، باعتباره يعيد فتح ملف مسكوت عنه، ويدق ناقوس الخطر بشأن ممارسات تهدد مصداقية ورش التغطية الصحية برمته.
فإما أن تتحول التعريفة المرجعية إلى أداة ملزمة فعليًا، أو تظل مجرد شعار يُستعمل في الخطابات الرسمية، بينما يُترك المواطن وحيدًا في مواجهة جشع بعض المصحات.
إن حماية المرضى لا تمر عبر البلاغات ولا الوعود، بل عبر قرارات شجاعة: مراقبة صارمة، عقوبات زجرية حقيقية، ربط احترام التعريفة المرجعية باستمرار الترخيص والتعاقد مع أنظمة التأمين، وتمكين المرضى من آليات تظلم فعالة وسريعة، غير ذلك، سيظل الحديث عن العدالة الصحية مجرد خطاب جميل، تصفعه يوميًا فواتير غير قانونية داخل غرف العلاج.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد