كلميم: حين تُبدَّد الميزانيات وتُدفن الأمنيات وينتج الوالي أبهاي منظومة حكامة تُراكم الأعطاب

هبة زووم – كلميم
في كلميم، لا تُهدر الميزانيات فقط، بل تُهدر معها الآمال، وتُستنزف ثقة المواطن في كل ما يُسمّى “تنمية” و”حكامة” و”ربط المسؤولية بالمحاسبة”، مدينة تُصرف فيها الأموال العمومية بسخاء، بينما تُقنَّن فيها الخيبات، ويُعاد إنتاج نفس الأعطاب تحت عناوين جديدة وواجهات مُنمَّقة.
ما يحدث اليوم ليس استثناءً ولا زلّة تدبير، بل حلقة جديدة في مسلسل وطني طويل عنوانه العريض: المال العام… أين يذهب؟ اجتماعات تُعقد، لجان تُشكَّل، بلاغات تُحرَّر، وقاعات تُزيَّن بخطابات كبرى، لكن الأثر على الأرض يظل ضعيفًا، إن لم يكن منعدمًا.
أما الحديث المتكرر عن “تعزيز الشفافية ومحاربة الفساد”، فقد فقد معناه بفعل التكرار دون نتائج، صار أشبه بشعار استهلاكي، يُستعمل عند الحاجة، ويُركَن عند أول اختبار حقيقي.
تُفتح الملفات أمام عدسات الكاميرا، ثم تُغلق بهدوء داخل دهاليز المساطر، دون مساءلة واضحة أو محاسبة تُقنع الرأي العام بأن هناك إرادة فعلية لتصحيح المسار.
وفي هذا السياق، يبرز دور الوالي أبهاي بوصفه المسؤول الأول عن تنزيل سياسة الدولة بالجهة، والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح ليس عن النوايا، بل عن النتائج: ماذا تغيّر فعليًا؟ ما الذي أُوقِف؟ من حوسِب؟ وأين هي مؤشرات القطع مع منطق “الترقيع” و”تدوير نفس الوجوه ونفس الأساليب”؟
الأخطر أن تكرار فتح الملفات دون حسمها لا يُعزز الثقة، بل ينسفها. فالمواطن لم يعد يطالب بالبلاغات، بل بالوضوح، لم يعد ينتظر الوعود، بل القرارات، ولم يعد يثق في خطاب “شدّوه وسرّحوه”، الذي تحوّل إلى عنوان غير معلن لمرحلة طويلة من التدبير العمومي.
كلميم اليوم ليست مجرد حالة محلية معزولة، بل مرآة تعكس أزمة أعمق في منظومة الحكامة الترابية. أزمة تُطرح فيها أسئلة جوهرية:
هل الخلل في الأشخاص أم في القواعد التي تسمح بإعادة إنتاجهم؟ هل المشكل في سوء التسيير أم في غياب المراقبة الاستباقية؟ وهل يمكن الحديث عن تنمية حقيقية في ظل عجز متكرر عن ضبط ما يُسمّى “المصاريف الصغيرة” التي تُسقط المشاريع الكبرى؟
إن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط صورة الإدارة، بل يُراكم الإحباط، ويُغذّي الشعور بأن الدولة حاضرة بالخطاب، غائبة بالفعل، وكلميم، بما تحمله من إمكانيات وموقع استراتيجي، تستحق أكثر من أن تكون عنوانًا جديدًا في سجل الإخفاقات المؤجلة.
فالرهان اليوم لم يعد في كشف الخلل فقط، بل في كسر حلقة الإفلات من المحاسبة، وإعطاء معنى حقيقي للرقابة، قبل أن تتحول كل ميزانية جديدة إلى أمنية أخرى مؤجلة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد