هبة زووم – أحمد الفيلالي
في عهد العاملة بنشويخ على رأس عمالة مقاطعات الحي الحسني، تبرز في المشهد الحضري تفاصيل قد تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها في عمقها ثقيلة الدلالة، ومقلقة الأثر.
تفاصيل لا تصنع “الحدث” بالمعنى الإخباري، ولا تستدعي عناوين عريضة، لكنها مع تراكمها اليومي تُفرغ المدينة من معناها المشترك، وتنخر صورتها بصمت.
عمالة الحي الحسني، التي ارتبط اسمها في الذاكرة الجماعية بالجمال النسبي، والهدوء، وفضاءات خضراء كانت تشكل متنفسًا للسكان، تجد نفسها اليوم أمام واقع مختلف، عنوانه الأبرز: احتلال الملك العمومي، في واحدة من أوضح تجلياته وأكثرها انتشارًا.
لم تعد الظاهرة حالات معزولة أو سلوكات فردية عابرة، بل تحولت إلى قاعدة صامتة، تُمارس يوميًا دون حرج، ودون خوف من المساءلة. أرصفة محتلة، ممرات مغلقة، فضاءات مشتركة تحولت إلى امتدادات خاصة، وكأن الملك العمومي فقد رمزيته، أو كأن الفضاء العام أضحى أرضًا بلا حرمة.
الخطير في الأمر ليس فقط انتشار الظاهرة، بل تطبيعها. فقد صار احتلال الرصيف، أو الطريق، أو الساحة، يُنظر إليه كأمر عادي، بل كحق مكتسب، في غياب ردع فعلي، أو رؤية واضحة تُعيد الاعتبار للمجال العمومي كحق جماعي لا يجوز السطو عليه.
هذا الواقع يطرح أسئلة أعمق من مجرد تطبيق القانون: كيف نفهم المواطنة في تفاصيلها اليومية؟ وكيف نترجم الانتماء إلى المدينة في أبسط السلوكات، حين يعجز الفرد عن احترام مساحة لا يملكها لكنه يتقاسمها مع غيره؟
إن احتلال الملك العمومي ليس فقط مشكلة تنظيمية، بل هو مرآة لعلاقة مختلة بين المواطن والمدينة، وبين السلطة والمجال العام. علاقة تُدار أحيانًا بالتسامح المفرط، وأحيانًا بالصمت، وأحيانًا بمنطق “غضّ الطرف”، وهو ما يفرغ القانون من روحه، ويُنتج شعورًا عامًا بأن المجال المشترك بلا حارس.
في ظل هذا الوضع، تبدو عمالة الحي الحسني أمام اختبار حقيقي:إما استعادة هيبة الفضاء العام عبر مقاربة متوازنة تجمع بين الزجر، والتحسيس، وإعادة التنظيم، وإما ترك الأمور تنزلق أكثر، إلى أن يصبح احتلال الملك العمومي هو القاعدة، واحترامه هو الاستثناء.
المدينة لا تنهار فقط بالكوارث الكبرى، بل تتآكل بصمت عبر تفاصيل صغيرة، تتكرر كل يوم، حتى تفقد الشوارع معناها، ويضيع الإحساس بالمشترك.
وما يحدث اليوم في الحي الحسني ليس مجرد فوضى أرصفة، بل سؤال مفتوح حول شكل المدينة التي نريد، ونوع المواطنة التي نمارس.
