هبة زووم – الدار البيضاء
في زاوية معتمة من حي رياض صوفيا بمنطقة ليساسفة في الدار البيضاء، وتحت سماء مثقلة بالمطر وبردٍ قارس، ترقد فتاة شابة فوق الرصيف، بلا مأوى ولا غطاء، محاطة بالأوحال وصمتٍ ثقيل لا يقل قسوة عن الطقس.
مشهد ليس عابرًا، ولا تفصيلاً هامشيًا في مدينة اعتادت التعايش مع الألم، بل صفعة مباشرة لضميرٍ جماعي بدأ يطبّع مع المأساة حتى فقد القدرة على التفاعل معها.
الفتاة، التي يتداول السكان أنها تعاني اضطرابات نفسية، لا تطلب المستحيل، ولا ترفع شعار التحدي، بقدر ما تعرّي هشاشتنا الجماعية، وتضع المجتمع ومؤسساته أمام سؤال أخلاقي فادح: كيف يُترك إنسان، وامرأة شابة تحديدًا، فريسة للشارع في هذا البرد، دون تدخل؟
أن تبيت فتاة في العراء، تحت المطر، ليس تعبيرًا عن اختيار حر، ولا بطولة فردية، بل دليل صارخ على خلل عميق في منظومة الرعاية الاجتماعية والصحية، وعلى تقصير لا يليق بمدينة تُقدَّم كعاصمة اقتصادية، ولا بمجتمع يرفع شعارات التضامن والتكافل.
المسؤولية هنا لا يمكن اختزالها في جهة واحدة. فهي مسؤولية السلطات المحلية المفترض فيها التدخل الاستعجالي، ومسؤولية القطاع الصحي والاجتماعي في التكفل بالحالات الهشة، كما أنها مسؤولية المجتمع المدني، وحتى المواطنين الذين يمرّون بجانب الألم يوميًا دون أن يتحرك فيهم سوى الاعتياد، فالصمت أمام المعاناة ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة فيها.
الأخطر من المشهد ذاته، هو أن يتحول إلى أمر عادي، إلى صورة تُلتقط وتُنسى، في وقت يفترض فيه أن تُطلق ناقوس الخطر حول مصير عشرات الحالات المشابهة التي تعيش في الهامش، خارج أي حماية، وخارج أي اهتمام فعلي.
اليوم، في رياض صوفيا ليساسفة، لا يُطرح سؤال السياسة فقط، بل سؤال الإنسانية: هل من تدخل عاجل ينقذ هذه الفتاة قبل أن تفتك بها قسوة الشارع؟ وهل من مبادرة تُثبت أن التضامن ليس مجرد خطاب، وأن الرحمة لم تصبح عملة نادرة؟
إن إنقاذ هذه الفتاة ليس فضلًا، بل واجب أخلاقي وإنساني وقانوني. أما تركها في مواجهة المطر والبرد، فعارٌ جماعي لا يليق بنا جميعًا.
تعليقات الزوار