هبة زووم – أبو العلا العطاوي
لا يزال سؤال ثقيل يتردد بقوة في أوساط المتابعين للشأن المحلي بإقليم الرشيدية: لماذا لم تتحرك المساطر القانونية في حق مستشاري جماعات محلية ثبت تورطهم في حالات تضارب المصالح؟
والجواب، كما يتداوله الفاعلون المحليون بمرارة، يبدو بسيطًا ومختزلًا في عبارة دارجة تختصر واقعًا معقدًا: “لي عندو مسمار في العمالة، ما عندو علاش يخاف”.
و”المسمار” هنا ليس تفصيلاً لغويًا، بل توصيف دقيق لشبكة من الموظفين المعمرين داخل مفاصل ولاية جهة درعة تافيلالت، وخصوصًا بقسم الجماعات المحلية، ممن تحولوا، مع مرور السنوات، إلى مفاتيح القرار غير المعلنة، وحراس بوابة الملفات الحساسة: ما يُمرَّر منها، وما يُجمَّد، وما يُدفن بلا أثر.
ولفهم حجم نفوذ هؤلاء، يكفي استحضار مآل القضية التي تفجرت قبل أشهر بجماعة الرشيدية، حين أقدم نائب لرئيس المجلس الجماعي، في غياب الرئيس الذي كان يشارك في حفل الولاء، على توقيع وثيقة خارج اختصاصاته القانونية، تتعلق باستخراج بقعة أرضية لفائدة شركته الخاصة، في حالة صريحة لتضارب المصالح.
الملف حينها هزّ الرأي العام المحلي، وتحول خلال شهر غشت إلى حديث المجالس والفضاءات الإعلامية، وسط تبادل للاتهامات ومحاولات مكشوفة لرمي المسؤولية بين الأطراف، مع وعود فضفاضة بفتح تحقيق واتخاذ المتعين.
لكن، وبعد مرور الوقت، اتضح أن كل ذلك لم يكن سوى ضجيج بلا أثر: لا محاسبة، لا توضيح رسمي، ولا بلاغ يشرح للرأي العام ما الذي جرى.. فقط صمت مطبق وملف طُوي كما تُطوى السجلات المنسية.
هذا الصمت لم يكن بريئًا، بل يعكس قدرة “مسامير الميدة” على تعويم الملفات ثم قبرها بهدوء، ومحو آثارها من التداول الإداري، في مشهد يضرب في العمق مصداقية الرقابة الترابية ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
واليوم، وبعد مرور أكثر من سنة على تعيين الوالي سعيد زنيبر على رأس جهة درعة تافيلالت، لم يعد السؤال المطروح هو: هل سيتحرك الوالي لفتح ملفات تضارب المصالح؟ بل السؤال الأكثر واقعية وجرأة هو: هل سيُسمح له أصلًا بالوصول إلى هذه الملفات؟
فلا يمكن لأي مسؤول ترابي، مهما كانت إرادته، أن يتحرك في غياب المعلومة، وحين تكون المعلومة محتكرة من طرف شبكة إدارية تتحكم في مفاصل الولاية، وتقرر ما يصل إلى مكتب الوالي وما يُحجب عنه، فإن سلطة القرار تصبح شكلية، وتتحول الإدارة إلى متاهة مغلقة.
من هنا، فإن استعادة الوالي سعيد زنيبر لزمام المبادرة ونفوذه الترابي لا تمر عبر الخطابات ولا البلاغات، بل تبدأ، أولًا وأخيرًا، من تفكيك لوبي “مسامير الميدة”، عبر غربلة حقيقية للأسماء التي عمّرت طويلًا داخل أقسام الولاية، وأضحت أقوى من منطق القانون والمساءلة.
فدون هذه الخطوة، سيظل شعار الحكامة مجرد واجهة، وستبقى ملفات تضارب المصالح حبيسة الأدراج، إلى أن يفقد المواطن ما تبقى له من ثقة في الإدارة والرقابة والدولة.
تعليقات الزوار