عبدالسلام نورينو – الحسيمة
عاد مشروع الشقق منخفضة التكلفة بحي سيدي عابد بمدينة الحسيمة إلى واجهة الجدل، ليس باعتباره نموذجاً للسكن الاجتماعي كما رُوِّج له في إطار برنامج “الحسيمة منارة المتوسط”، بل كمثال صارخ على الارتباك الإداري وتضارب القرارات داخل المؤسسات العمومية، بعد لجوء شركة العمران إلى تحويل مستفيدين أصليين من المشروع إلى برنامج دعم السكن الجديد (2024–2028)، في خطوة أثارت غضب المتضررين ودفعت الملف إلى أروقة البرلمان.
القضية لم تعد تقنية ولا إجرائية، بل تحولت إلى إشكال سياسي–اجتماعي يمس جوهر التعاقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها، خاصة حين يتعلق الأمر بمشروع ذي صبغة ملكية أُعلن عنه كرافعة للعدالة المجالية وجبر الضرر الاجتماعي الذي عرفه إقليم الحسيمة.
في هذا السياق، وجهت النائبة البرلمانية سلوى البردعي، عن مجموعة العدالة والتنمية، سؤالاً كتابياً إلى وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان، فاطمة الزهراء المنصوري، لم يكن مجرد استفسار إداري، بل تنبيهاً سياسياً صريحاً إلى خطورة ما يجري داخل مشروع اجتماعي يفترض أنه محصّن من العبث التقني وإعادة التكييف المزاجي.
السؤال البرلماني أعاد النقاش إلى أساسه: كيف يُسمح لمؤسسة عمومية، مثل شركة العمران، أن تُغيّر شروط الاستفادة من مشروع سكني بعد انطلاقه، وتُخضع مستفيدين انتُقوا وفق معايير اجتماعية دقيقة لمنطق دعم جديد لم يكونوا طرفاً فيه؟
المشروع، كما هو معلوم، بُني على سعر اجتماعي محدد ومعايير استحقاق واضحة، لضمان ولوج الفئات الهشة إلى السكن اللائق دون تحميلها أعباء إضافية.
غير أن إدماج برنامج “دعم السكن الجديد” في مشروع قائم يطرح شبهة تغيير قواعد اللعبة في منتصف الطريق، ويضع علامات استفهام حول احترام مبدأ استمرارية الدولة في التزاماتها.
الخطير في هذا التحول لا يكمن فقط في طابعه الأحادي، بل في ما يحمله من نزعة لتجريد المشروع من بعده التضامني، وتحويله إلى منتج سكني يخضع لمنطق الدعم المباشر بدل السعر الاجتماعي المدعّم أصلاً، بما يفتح الباب أمام فروقات مالية غير متوقعة قد لا تقوى عليها الفئات المستهدفة.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن شركة العمران وضعت نفسها، بهذا القرار، في موقع مساءلة سياسية وأخلاقية، خاصة أمام ثلاث إشكالات مركزية:
– الشرعية القانونية: مدى انسجام هذا الإجراء مع الإطار التنظيمي الأصلي لمشروع “منارة المتوسط”، ومع الالتزامات التعاقدية التي بُني عليها.
– العبء المالي: هل سيُفرض على المستفيدين تحمّل فوارق مالية جديدة لم تكن ضمن الحسابات الأولية؟ ومن سيتحمل كلفة هذا التحول؟
– العدالة الاجتماعية: إلى أي حد يُفرغ هذا القرار المشروع من روحه الاجتماعية، ويُحوّله من أداة إدماج اجتماعي إلى معاملة إدارية باردة؟
النائبة البرلمانية لم تكتفِ بوصف الاختلال، بل طالبت الوزارة الوصية بكشف الدوافع الحقيقية وراء هذا التغيير المفاجئ، تقديم ضمانات مؤسساتية تحمي حقوق المستفيدين الأصليين، مع توضيح مدى احترام هذا الإجراء للتوجيهات الملكية المتعلقة بالإنصاف المجالي والاجتماعي.
إن ملف سكن سيدي عابد لم يعد مجرد خلاف بين مؤسسة عمومية ومواطنين، بل أصبح اختباراً حقيقياً لصدقية الخطاب الحكومي حول السكن الاجتماعي، ولمدى التزام الإدارة بروح المشاريع الملكية، لا فقط بنصوصها الشكلية.
فالمسؤولية السياسية والإدارية اليوم تفرض القطع مع منطق التدبير التقني المعزول عن آثاره الاجتماعية، ووضع مصلحة المواطن فوق الحسابات الضيقة للمؤسسات، حتى لا يتحول حلم السكن اللائق إلى كابوس إداري في دهاليز شركة يفترض أنها وُجدت لخدمة الصالح العام لا لإرباكه.
تعليقات الزوار