هبة زووم – مكناس
تتحول مدينة مكناس، في عدد من أحيائها، إلى ما يشبه مختبرًا مفتوحًا لكل أشكال “الفوضى الصغيرة”؛ تلك التي لا تستفز كاميرات المسؤولين ولا تحرك آليات المراقبة، لكنها تستنزف أعصاب المواطنين يومًا بعد يوم.
فوضى لا تُعلن عن نفسها بضجيج كبير، لكنها تتسلل بهدوء إلى تفاصيل العيش اليومي، حتى تصبح واقعًا مُطبعًا معه، ومقبولًا كأنه قدر لا فكاك منه.
البيع بالتجوال، في جوهره، نشاط شريف ووسيلة عيش مشروعة، لكن المشكلة تبدأ حين يُفرغ هذا النشاط من بعده الأخلاقي، ويتحول إلى غابة بلا قانون، حيث الغش يُمارس علنًا، والميزان يُدار بذكاء الاحتيال، لا بمنطق النزاهة.
هنا لا نكون أمام “اقتصاد هش” فقط، بل أمام نوع من النشل المقنن، يتم في وضح النهار، بابتسامة مطمئنة، وبلحية توحي بالثقة، في غياب شبه تام للردع والمحاسبة.
المعضلة الحقيقية ليست في الشاب ولا في عربته ولا في الخضر الملقاة على الأرصفة، بل في التطبيع الجماعي مع الغش، وفي الصمت المؤسسي عنه، وفي تحويله إلى “أمر عادي” لا يستحق التدخل. هذا الصمت هو ما يمنح الفوضى شرعيتها، ويجعلها تتوسع دون مقاومة، حتى تبتلع الفضاء العام وتُفرغه من معناه.
سوسيولوجيًا، تعيش مكناس واحدة من أعقد مراحلها. مرحلة يُصنفها الباحثون ضمن “الانتقال الديمغرافي”، لكنها في عمقها ليست مجرد تحول في الأرقام والنسب، بل انقلاب في ميزان المجتمع: مدينة يفيض فيها الشباب عددًا، لكنهم غائبون عن مراكز القرار، بينما يهيمن على المشهد مسؤولون أنهكتهم السنوات، لكنهم ما زالوا متشبثين بالكراسي، وكأن الزمن توقف عندهم.
سياسيًا، ما تزال مكناس تُدار بذات الأدوات القديمة: الزعيم، البيان، الصورة الرسمية، التجمع الخطابي، ووعود “الإصلاح” المؤجلة، غير أن الجيل الجديد لم يعد يعيش في عالم البيانات الورقية ولا الوعود الفضفاضة، بل في زمن الشفافية الفورية، حيث كل وعد يُراجع، وكل خطأ يُوثق، وكل خطاب يُقارن بالواقع في لحظته.
إنه جيل “اللايف”، جيل لا يحتاج من يُخبره بما يحدث، بل من يُقنعه بأن هذا الوطن، وهذه المدينة، ما زالت تستحق أن يُراهن عليها. وهنا تتجلى المعضلة الكبرى: حين يُقصى الشباب من دوائر القرار، لا يبقى في الساحة سوى من يُجيد فن البقاء لا فن التغيير.
أحزاب تُعيد تدوير نفس الأسماء والوجوه والخطابات، وشباب لا يجدون سوى إعادة تدوير خيباتهم على منصات التواصل، من “فايسبوك” إلى “تيك توك”.
في هذا السياق، تصبح الفوضى اليومية عرضًا لمرض أعمق: غياب رؤية سياسية واجتماعية قادرة على استيعاب التحول الجيلي، ودمج الشباب في القرار، قبل أن تتحول مكناس بالكامل من مدينة ذات تاريخ عريق إلى فضاء مفتوح للارتجال والتدبير المؤقت.
تعليقات الزوار