من التهليل إلى التبرّؤ: كيف سقط المدافعون عن لقجع بعد أول هزيمة؟

هبة زووم – الرباط
لم تكد صافرة النهاية تعلن خسارة المنتخب الوطني لكأس أمم إفريقيا، حتى سقط القناع عن كثيرين ممن جعلوا من فوزي لقجع أيقونة فوق النقد، ورفعوه إلى مرتبة “المنقذ” الذي لا يُسأل عمّا يفعل ولا يُحاسب على ما يُنفق.
فبين عشية وضحاها، تحوّل التهليل إلى تبرّم، والتطبيل إلى محاسبة انتقائية، وكأن الهزيمة وحدها هي التي منحت الحق في الكلام.
المشهد كان فاضحاً في رمزيته: لاعبون يخرجون من الملعب بملابس اختلط فيها العرق بالدم، جماهير مصدومة من خسارة غير متوقعة، وفي المقابل، أصوات كانت بالأمس القريب تمجّد “حسن قيادة لقجع” وتعتبره صانع المعجزات، سارعت اليوم إلى القفز من القطار قبل أن يبرد جسده.
في هذا السياق، اختارت البرلمانية إلهام الساقي، عن حزب الأصالة والمعاصرة، أن تنشر تدوينة دعت فيها إلى “وقفة للتقييم” مع التركيز على “المصاريف والمداخيل”، في إشارة مباشرة إلى حجم الأموال التي صُرفت على تنظيم كأس أمم إفريقيا بالمغرب.
تدوينة بدت، في نظر كثير من المتابعين، أقلّ حرصاً على المال العام، وأكثر التصاقاً بمنطق النجاة السياسية بعد الهزيمة.
السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه: لماذا لم يُطرح هذا النقاش قبل البطولة؟ أين كانت دعوات “التقييم” حين كانت المنصات السياسية والإعلامية تمطر لقجع بالمديح؟ ولماذا لم يتحوّل حجم الإنفاق إلى موضوع مساءلة حين كانت الأجواء مشبعة بخطاب “الإنجاز التاريخي” و”التنظيم العالمي”؟
ما حدث لا يمكن قراءته خارج منطق الانتهازية السياسية، فلو كان الكأس من نصيب المغرب، لما سمع الرأي العام أي حديث عن المصاريف أو المداخيل، ولما تجرأ أحد على مساءلة رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم، بل لتمت مضاعفة جرعات التمجيد، وربما توزيع الأوسمة الرمزية.
الأخطر في هذا السلوك أنه يُفرغ مفهوم المحاسبة من مضمونه الحقيقي، ويحوّله إلى أداة تُستعمل عند الخسارة وتُعلّق عند الفوز.
فالمحاسبة ليست ردّ فعل عاطفياً على نتيجة مباراة، ولا وسيلة لتصفية الحسابات أو تلميع المواقع السياسية، بل ممارسة مؤسساتية يجب أن تكون ثابتة، سواء ربح المنتخب أو خسر.
ثم إن اختزال النقاش في شخص فوزي لقجع وحده يُخفي خللاً أعمق، كرة القدم المغربية ليست ملكاً لفرد، كما أن قرارات الإنفاق لا تتم في فراغ.
هناك مؤسسات، ودفاتر تحملات، ومجالس، ووزارات، وكلها تتحمّل جزءاً من المسؤولية، لكن الأسهل دائماً هو البحث عن “كبش فداء” بعد الهزيمة، بدل مساءلة المنظومة كاملة.
ما جرى بعد الإقصاء كشف، مرة أخرى، هشاشة الخطاب السياسي حين يتقاطع مع كرة القدم، فبدل احترام مشاعر المغاربة، وفتح نقاش هادئ ومسؤول حول الاختيارات التقنية والمالية، اختار البعض الركوب على خيبة الأمل الجماعية، وتوظيفها في معركة مواقع لا علاقة لها لا بالرياضة ولا بالمصلحة العامة.
الخلاصة أن الهزيمة، مهما كانت قاسية، لا تُبرّر هذا التحوّل السريع من التمجيد إلى التبرّؤ، ومن يريد فعلاً الدفاع عن المال العام، عليه أن يفعل ذلك باستمرار، لا أن يستيقظ ضميره فقط عندما تخسر الكرة المغربية مباراة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد