“الفيتور” والمياه الملوثة تهدد الرشيدية أو حين يتحول موسم الخير إلى كارثة بيئية صامتة

هبة زووم – محمد الداودي
حبى الله المغرب خلال الموسم الفلاحي الحالي بإنتاج وافر من الزيتون، فاق كل التوقعات بمختلف الأقاليم، ما انعكس إيجاباً على الفلاحين والمستهلكين ومعاصر الزيتون، وساهم في تراجع أسعار زيت الزيتون إلى مستويات مشجعة، مكنت مختلف شرائح المجتمع من اقتنائه.
غير أن هذا “الخير” تحوّل، بمدينة الرشيدية، إلى عبء بيئي ثقيل، يفضح غياب المراقبة، واستهتاراً صارخاً بالمعايير الصحية والبيئية.
فواقع معاصر الزيتون بالمدينة، وفق معاينات ميدانية، لا يبشر بالخير، حيث تعيش بعض الوحدات وضعية بيئية توصف بالكارثية، نتيجة تراكم بقايا الطحن المعروفة محلياً بـ”الفيتور” على جنبات المعاصر، وانتشارها في الفضاءات المحيطة، دون أي معالجة أو تدبير بيئي، في مشهد يضرب عرض الحائط القوانين المنظمة، ويتحدى التوجيهات الوطنية في مجال حماية البيئة.
الأخطر من ذلك، تسجيل تجمع للمياه الملوثة أمام مداخل بعض المعاصر، في ظروف تنذر بانفجار بيئي وشيك، خاصة مع امتلاء خزانات المياه المستعملة عن آخرها، ما يجعل احتمالية تسربها أو انفلاتها مسألة وقت لا غير، وهو ما قد يتسبب في تلوث خطير للمحيط، داخل المعاصر وخارجها.
وتبرز معصرة الزيتون العصرية “طاهري” كنموذج صادم لهذا الواقع، حيث تشير المعطيات المتوفرة إلى أن الآلات تشتغل دون توقف تقريباً، في غياب الصيانة الدورية أو التنظيف الضروري، ما يطرح تساؤلات حقيقية حول شروط السلامة الصحية وجودة المنتوج.
كما لوحظ استعمال المياه الساخنة بدل المياه الباردة في عملية العصر، في خرق واضح للممارسات المعتمدة، بما قد يؤثر سلباً على جودة زيت الزيتون وسلامته الغذائية.
ولا يتوقف الأمر عند حدود التلوث، بل يمتد إلى اختلالات مرتبطة بالأسعار، إذ يسجل تفاوت لافت بين أثمنة الزيتون وزيته بالرشيدية مقارنة بمناطق الإنتاج، دون مبررات واضحة، ما يفتح الباب أمام الشك في وجود ممارسات غير سليمة، تزيد من معاناة المستهلك وتكرس منطق الريع.
كل هذه التجاوزات تتم في تحدٍ صارخ للمجلس الوطني للبيئة، وضربٍ واضح لروح ومبادئ مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة، التي ما فتئت تدعو إلى التنمية المستدامة واحترام التوازنات الإيكولوجية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإنتاج مادة غذائية أساسية تحتل مكانة محورية في النظام الغذائي للمغاربة.
أمام هذا الوضع المقلق، يطرح الرأي العام المحلي أسئلة مشروعة: أين هو دور المجتمع المدني من هذا النزيف البيئي؟ وأين هي مصالح المراقبة واللجان الإقليمية المكلفة بحماية البيئة؟ وما موقع السلطات الإقليمية، وعلى رأسها والي جهة درعة تافيلالت عامل إقليم الرشيدية، من هذه الاختلالات الخطيرة؟
إن ما يجري داخل معاصر الزيتون بالرشيدية لا يمكن اعتباره مجرد تجاوزات تقنية، بل هو تهديد مباشر للبيئة، ولصحة المواطنين، ولمصداقية السياسات العمومية في مجال السلامة الغذائية، ما يستدعي تدخلاً عاجلاً، ومراقبة صارمة، وربطاً حقيقياً للمسؤولية بالمحاسبة، قبل أن يتحول موسم الزيتون من نعمة إلى نقمة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد