الرشيدية: مجلس إقليمي يُدار بـ”الريموت كونترول” وقرارات بـ”لعبة” مرسومة ومكتب بلا سلطة

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
كشفت معطيات متطابقة، حصلت عليها هبة زووم من مصدر مطلع، أن المجلس الإقليمي للرشيدية لم يعد يُدار من داخل مكوناته القانونية ولا من مقره الطبيعي، بل أصبح خاضعاً لتدبير فعلي “عن بُعد”، حيث تُنسج خيوط القرار وتُحاك تفاصيل ما بات يُوصف داخل الكواليس بـ”لعبة المجلس” من مدينة الريصاني، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول استقلالية القرار المحلي وحدود احترام قواعد الحكامة الترابية.
هذا الوضع غير السوي دفع عدداً من أعضاء المجلس إلى التعبير عن احتجاجهم بشكل صامت، من خلال مقاطعة الدورة العادية المنعقدة يوم الاثنين 12 يناير 2026، وفي مقدمتهم النائب الأول لرئيس المجلس، الذي يشغل في الآن نفسه صفة نائب برلماني عن إقليم الرشيدية باسم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ما يعكس حجم الاحتقان داخل مؤسسة يُفترض أن تكون فضاءً للتداول الجماعي لا واجهة شكلية للمصادقة.
ووفق نفس المصدر، فإن رئيس المجلس كان على وشك الفشل في عقد الدورة لولا “حالة استنفار هاتفية” مكثفة جرى خلالها الضغط على بعض الأعضاء للحضور وتأمين النصاب القانوني، في محاولة وُصفت بـ”الترقيعية”، لإنقاذ دورة تم إعداد جدول أعمالها وتفاصيلها بعيداً عن مقرها الرسمي بولاية جهة درعة تافيلالت.
وهو ما دفع أحد المتتبعين، في تصريح ساخر لـهبة زووم، إلى القول: “كان الأجدر نقل مقر المجلس الإقليمي إلى الريصاني، حتى ينسجم الشكل مع المضمون”.
أصوات متعددة داخل المجلس وخارجه أكدت أن المؤسسة لم تعد سيدة قراراتها، وأن جدول الأعمال يُعدّ خارج دوائر المكتب المسير، بينما يُختزل دور الأعضاء في رفع الأيدي والتصويت، دون نقاش فعلي أو حق في إبداء الرأي، في اختزال فجّ لوظيفة التمثيل الديمقراطي، ودفع خطير نحو تفريغ المجالس المنتخبة من مضمونها الدستوري.
الدورة العادية ليوم 12 يناير لم تكن، في نظر العديد من المتتبعين، سوى مرآة عاكسة لما آلت إليه ممارسة الشأن المحلي بالإقليم: غياب للمسؤولية، استسهال للمال العام، وانحراف مقلق عن أبسط قواعد الشفافية.
فقد سجل حضور 11 عضواً فقط من أصل 19، قبل أن ينخفض العدد إلى 10 بعد انسحاب إحدى العضوات، في مؤشر صارخ على اللامبالاة تجاه ساكنة الإقليم، التي تنتظر مشاريع تنموية ملموسة لا دورات شكلية.
ولم يتوقف العبث عند حدود الحضور الضعيف، بل امتد إلى الجوانب التنظيمية، حيث انعقدت الدورة في قاعة صغيرة لا تستوعب أعضاء المجلس، بدل قاعة كبرى مهيأة لذلك، في خرق غير مبرر للأعراف التنظيمية، تزامن مع غياب تام لأي إشعار أو تواصل مع وسائل الإعلام، في ممارسة توحي بتعمد التعتيم وإبعاد الرأي العام عن تتبع ما يُتداول بشأن المال العام ومصير المشاريع.
الأكثر إثارة للقلق أن جدول الأعمال، الذي مر في هذا السياق المرتبك، تضمن ملفات ثقيلة وذات كلفة مالية مرتفعة، من بينها تمويل مشاريع تنقية قنوات السقي، وتأهيل المحاور الطرقية الرئيسية، ودعم النقل الحضري، واستكمال فضاءات الذاكرة التاريخية، إضافة إلى منح شاحنات وسيارات لفائدة مجالس جماعية، وإبرام اتفاقيات مع شركات خاصة ومكاتب قانونية. وهي مشاريع كان يفترض أن تخضع لنقاش معمق ومساءلة حقيقية، لا أن تمر في أجواء يغلب عليها الغياب والصمت والتصويت الآلي.
ما جرى داخل المجلس الإقليمي للرشيدية لا يمكن اعتباره مجرد تعثر عابر، بل يعكس أزمة بنيوية في تدبير الشأن المحلي، حيث تُفرغ المؤسسات المنتخبة من دورها الرقابي والتقريري، ويُدفع المواطن إلى مزيد من فقدان الثقة في العمل السياسي، في إقليم لا يحتمل مزيداً من العبث، بقدر ما يحتاج إلى حكامة حقيقية، وجرأة في ربط المسؤولية بالمحاسبة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد