هبة زووم – أحمد الفيلالي
يستعد مجلس جماعة الدار البيضاء لعقد دورته العادية لشهر فبراير 2026، في ظل جدول أعمال متخم بالعشرات من النقط، لكن هذا التضخم العددي لا يخفي حقيقة أكثر إزعاجاً: غياب رؤية سياسية واضحة لتدبير مدينة تُختزل يوماً بعد يوم في أرقام، واتفاقيات، ونزع ملكيات، وتفويتات عقارية، بينما تتراجع جودة العيش، وتتآكل الثقة بين الساكنة والمؤسسة المنتخبة.
في عهد العمدة نبيلة الرميلي، تحوّل مجلس المدينة إلى ما يشبه مكتب تصديق إداري، تُمرَّر داخله قرارات استراتيجية تحت غطاء التقنية والمساطر القانونية، دون نقاش عمومي حقيقي، ودون مساءلة سياسية حول الجدوى، الأولويات، والكلفة الاجتماعية.
تقارير بلا محاسبة
يفتتح المجلس دورته بتقارير إخبارية، من المفترض أن تشكل لحظة للمساءلة، لكنها غالباً ما تتحول إلى طقس شكلي، لا يُسائل أسباب تضخم الدعاوى القضائية ضد الجماعة، ولا يكشف حجم الخسائر المالية الناتجة عن سوء التقدير أو القرارات المرتجلة.
فمن يتحمل مسؤولية هذا النزيف القضائي؟ ومن يُحاسَب حين تتحول أخطاء التدبير إلى أحكام تؤدى من المال العام؟
مالية تُدار بلا بوصلة
في الشق المالي، تُناقش تحويلات اعتمادات وبرمجة أموال مسترجعة، وإحداث حسابات خصوصية جديدة، وكأن المشكل يكمن في هندسة الميزانية لا في فلسفة صرفها.
لا تقييم حقيقياً لمردودية النفقات، ولا ربطاً واضحاً بين الاعتمادات والنتائج، ولا جواباً عن سؤال مركزي: أين صرفت الملايير السابقة؟ وماذا تغيّر في حياة البيضاويين؟
أما التمويلات الخارجية، مثل منحة “بلومبرغ فيلانتروبيز”، فتُقدَّم كإنجاز، دون أي نقاش حول قدرة المجلس على تحويل هذه الأموال إلى أثر ملموس، في مدينة تعاني من اختلالات بنيوية في النقل، والنظافة، والمجال الأخضر، والسكن.
اتفاقيات تُلغى… ثم تُعاد
أخطر ما تكشفه دورة فبراير هو الارتباك الصارخ في الاختيارات، اتفاقيات تُبرم، ثم تُلغى، ثم يُعاد إحياؤها بصيغ جديدة، دون محاسبة سياسية عن الفشل السابق.
إلغاء اتفاقية مركز سوسيو مهني لذوي الاحتياجات الخاصة بالحي الحسني، ثم العودة لإحداثه باتفاقية أخرى، ليس مجرد تفصيل إداري، بل إدانة صريحة لأسلوب تدبير قائم على التجريب فوق حساب الفئات الهشة.
أما ملفات الصحة، من مستشفيات للأمراض العقلية والنفسية إلى مرافق استشفائية جديدة، فهي مشاريع عمرها سنوات، تُعاد إلى الطاولة في كل دورة، دون ضمانات زمنية أو تمويلية أو حكامة واضحة، ما يجعلها أقرب إلى شعارات سياسية مؤجلة منها إلى سياسات عمومية فعالة.
العقار.. القلب الحقيقي للقرار
لكن جوهر الدورة، كما في دورات سابقة، يبقى هو العقار، نزع ملكيات بالجملة، تفويتات، تعديلات أثمان، تغيير مستفيدين، ودفاتر تحملات تُراجع باستمرار، خصوصاً في مناطق تعرف ضغطاً عقارياً مرتفعاً.
في عهد الرميلي، لم يعد العقار مجرد أداة للتنمية، بل محوراً مركزياً للقرار الجماعي، يُدار بمنطق تقني مغلق، بعيداً عن أي نقاش عمومي حول العدالة المجالية، أو حقوق المتضررين، أو البدائل الممكنة.
كما أن تكرار المصادقة على نزع الملكية دون نقاش عمومي موسّع حول البدائل، والتأثير الاجتماعي، يعمّق الإحساس بأن التخطيط الحضري يتم بمنطق إداري تقني، بعيداً عن المقاربة التشاركية التي ينص عليها الدستور والقوانين التنظيمية.
والأخطر أن كل ذلك يتم باسم “القانون”، دون أي حس سياسي بمآلات هذه القرارات اجتماعياً وعمرانياً.
مرافق تبتلع الملايير.. والخدمة تتراجع
في محور المرافق، يعود ملف النظافة وتدبير النفايات وحديقة الحيوانات عين السبع، وهي ملفات فشل مزمن لم تنجح العمدة ولا مجلسها في كسر حلقته.
دفاتر تحملات جديدة، ملحقات تعديلية، عقود مُعاد التفاوض حولها… بينما الشارع البيضاوي يغرق في الأزبال، والفضاءات العمومية تتهالك.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إذا لم تُصلح هذه القطاعات بعد كل هذه السنوات، فمتى؟ وبأي أدوات؟
وتُختتم الدورة بنقطة انتخاب ممثلين للمجلس في هيئات مختلفة، في مشهد يعيد إنتاج منطق اقتسام المواقع، في وقت ينتظر فيه البيضاويون أجوبة واضحة عن تعثر المشاريع، وتراجع جودة العيش، واتساع الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع اليومي.
مجلس بلا روح سياسية
في المحصلة، لا تعكس دورة فبراير 2026 مجلساً يقود مدينة بحجم الدار البيضاء، بل مجلساً يُدبّر بالوثائق لا بالاختيارات، وبالجداول لا بالمشروع السياسي.
مجلساً يفتقد الجرأة على الاعتراف بالفشل، والشجاعة لإعادة ترتيب الأولويات، والقدرة على إشراك الساكنة في قرارات تمس مستقبل المدينة.
في عهد العمدة نبيلة الرميلي، يبدو أن الدار البيضاء تُدار بمنطق “تسيير الأزمة”، لا بمنطق قيادة التحول، وهو رهان خاسر في مدينة لم تعد تتحمل مزيداً من الوقت الضائع.
تعليقات الزوار