هبة زووم – محمد خطاري
رغم الخطاب الحكومي المطمئن، تكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط واقعًا اجتماعيًا مقلقًا، يعكس هشاشة القدرة المعيشية للأسر المغربية، ويطرح علامات استفهام كبرى حول نجاعة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة.
فحسب نتائج البحث الدائم حول الظرفية لدى الأسر برسم الفصل الرابع من سنة 2025، لم تتجاوز نسبة الأسر التي صرحت بقدرتها على الادخار خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة 10,7 في المائة، مقابل 89,2 في المائة تقرّ بعجزها التام عن الادخار، في مؤشر صارخ على تآكل القدرة الشرائية وتنامي الإحساس بعدم الأمان الاقتصادي.
هذه المعطيات ليست مجرد أرقام تقنية، بل تعكس فشلًا بنيويًا في السياسات العمومية الموجهة لحماية الطبقة المتوسطة والفئات الهشة، خاصة وأن رصيد مؤشر الادخار استقر في مستوى سلبي بلغ ناقص 78,5 نقطة، وهو رقم يفضح عمق الأزمة الاجتماعية، رغم محاولات الترويج لتحسن نسبي في بعض المؤشرات.
الأخطر من ذلك، أن 91,7 في المائة من الأسر أكدت استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية خلال السنة الماضية، في اعتراف جماعي بأن الغلاء لم يعد ظرفيًا أو مرتبطًا بتقلبات دولية عابرة، بل أصبح واقعًا يوميًا يثقل كاهل المواطنين.
ورغم تسجيل تحسن طفيف في رصيد هذا المؤشر مقارنة بفصول سابقة، إلا أن ذلك لا يغيّر من حقيقة أن الأسر لا تزال رهينة موجة غلاء مستمرة دون أفق واضح للانفراج.
أما التوقعات المستقبلية، فلا تحمل بدورها أي مؤشرات على التحسن، إذ تتوقع 75 في المائة من الأسر استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، في مقابل 2 في المائة فقط تراهن على انخفاضها، وهو ما يعكس انهيار الثقة في قدرة السياسات الحكومية على ضبط الأسعار أو حماية القدرة الشرائية.
هذه الأرقام تضع الحكومة أمام مسؤولية سياسية مباشرة، وتكشف محدودية التدابير المتخذة، سواء تعلق الأمر بالدعم الاجتماعي أو بإصلاح سلاسل الإنتاج والتوزيع أو بمراقبة الأسواق.
كما تطرح تساؤلات حقيقية حول جدوى الشعارات المرفوعة حول الدولة الاجتماعية، في ظل واقع تؤكده الإحصائيات الرسمية نفسها: أسر عاجزة عن الادخار، أسعار ملتهبة، وتوقعات قاتمة للمستقبل.
في المحصلة، لا يبدو أن الأزمة مرتبطة فقط بتقلبات الظرفية الدولية، بقدر ما هي نتيجة اختيارات داخلية أثبتت محدوديتها، وهو ما يستدعي مراجعة جذرية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمة بالأرقام والبلاغات.
تعليقات الزوار