هبة زووم – أبو العلا العطاوي
لم تعد أزمة التدبير بإقليم الرشيدية خافية على أحد، ولم يعد ممكناً فصل أعطاب التنمية وتعثر المشاريع عن منطق غير معلن يتحكم في القرار المحلي، قوامه المال والنفوذ وشبكة من “مسامير الميدة” التي عشعشت طويلاً داخل دواليب الإدارة، وراكمت خبرة كبيرة في توجيه اللعبة من الخلف، بعيدا عن أعين الرأي العام.
في الرشيدية، لا تُصنع القرارات دائماً حيث ينبغي أن تُصنع، ولا تُحسم الأولويات وفق حاجيات الساكنة، بل كثيراً ما تُطبخ في كواليس مغلقة، حيث يلتقي منطق الشكارة بمنطق الزبونية، وتُختزل المصلحة العامة في حسابات ضيقة.
هكذا تحولت الإدارة، في حالات كثيرة، من أداة لتنزيل القانون وخدمة التنمية، إلى مجال لتدبير التوازنات وحماية المصالح، ولو كان الثمن هو شلل المشاريع وتكريس الإحباط.
أصحاب الشكارة لا يحكمون بالضرورة من مواقع رسمية، لكنهم حاضرون بقوة في كل مفصل حاسم: في الصفقات، في الرخص، في بطائق الإنعاش، وفي مسارات الاستثمار العمومي.
أما “مسامير الميدة”، فقد أتقنوا لعب دور الوسيط الخفي، يبتسمون لكل وافد جديد، يقترحون “حلولاً جاهزة”، ويقدمون أنفسهم كحماة للاستقرار الإداري، بينما هم في العمق حراس وضع قائم يقوم على تعطيل التغيير وإفراغه من مضمونه.
اليوم، ومع قدوم الوالي سعيد زنيبر بخطاب يَعِدُ بالتغيير وإعادة الاعتبار لهيبة الدولة ومنطق القانون، يُطرح السؤال الجوهري: هل يمكن فعلاً إحداث قطيعة حقيقية مع هذا الواقع دون كسر منظومة “مسامير الميدة”؟
التجربة علمت الرشيدية أن النوايا الحسنة وحدها لا تكفي، وأن كثيراً من المسؤولين جاؤوا برؤى إصلاحية، قبل أن يجدوا أنفسهم محاصرين بمنظومة متجذرة، تُدجّن المبادرات، وتُفرغ القرارات من قوتها، وتدفع الجميع، في النهاية، إلى اللعب وفق قواعد صاحب “اللعبة”.
طريق التغيير، كما ينتظره المواطنون، لا يمر عبر الاجتماعات البروتوكولية، بل عبر قرارات شجاعة تقطع مع منطق “دعه يمر”، وتفكك شبكات النفوذ التي حولت الإدارة إلى غنيمة.
فبدون تحييد “مسامير الميدة”، وربط المسؤولية بالمحاسبة، سيجد الوالي نفسه، عاجلاً أم آجلاً، مضطراً إلى السير داخل دهاليز “لعبة” رُسمت بعناية قبله، لعبة تجعل من الإصلاح مجرد ديكور، ومن السلطة أداة لتدبير التوازنات لا لخدمة الصالح العام.
إن الرشيدية لا تحتاج إلى تغيير في الواجهات، بل إلى زلزال هادئ في العمق، يُعيد ترتيب العلاقة بين السلطة والمال، ويُنهي زمن التدبير بالمحاباة، ويفتح الباب أمام منطق جديد قوامه الكفاءة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، غير ذلك، سيظل الإقليم يدور في حلقة مفرغة، مهما تغيرت الأسماء وتعددت الشعارات.
تعليقات الزوار