هبة زووم – الرشيدية
تحولت أشغال الجلسة الثانية من الدورة العادية للمجلس الجماعي للرشيدية، المنعقدة يوم 5 فبراير 2026، من محطة دستورية للمساءلة وتدبير الشأن المحلي، إلى مشهد صدامي غير مسبوق، عكس عمق الأزمة السياسية والتدبيرية التي تتخبط فيها المدينة.
جلسة وُضعت رسميًا للإجابة عن أسئلة مستشاري حزب العدالة والتنمية، لكنها سرعان ما انزلقت إلى مواجهة مباشرة بين ثلاثة رؤساء تعاقبوا على تسيير الجماعة: الرئيس الحالي سعيد كريمي، والرئيس السابق عبد الله الهناوي، والرئيس الأسبق سيدي عمي مولاي الزهيد، في مشهد طغى عليه التوتر، وتبادل الاتهامات، وتفكك الحد الأدنى من الأعراف المؤسساتية.
التصعيد بلغ ذروته عندما واجه الرئيس الحالي سعيد كريمي سلفه عبد الله الهناوي بلهجة حادة، واصفًا إياه بـ”الكذاب”، وداعيًا إياه علنًا إلى تقديم استقالته، بدعوى الإخلال بوعود سابقة قُطعت أمام الرأي العام المحلي.
ولم يقف الأمر عند حدود الاتهام السياسي، بل عمد الرئيس الحالي إلى عرض وثيقة إدارية قال إنها تعود لفترة ولاية الهناوي، وتُثبت مراسلة رسمية تقضي بتحويل العمال العرضيين بدعوى نقص الموارد، معتبراً أن الوثيقة تُفند الخطاب الذي ظل الرئيس السابق يروّجه، ويتهم فيه خلفه بالتقصير وسوء التدبير.
محاولة الهناوي الرد قوبلت بالمقاطعة، وسط إصرار من الرئيس الحالي على أن “الجواب الحقيقي هو وضع الاستقالة فوق الطاولة”، في لحظة عكست انسداد الحوار وتحول المجلس إلى فضاء لتصفية الحسابات السياسية بدل تدبير شؤون المدينة.
وفي خضم هذا المشهد المتوتر، لم يتأخر رد حزب العدالة والتنمية، الذي أصدر بيانًا مطولًا ليلة السبت 7 فبراير 2026، اعتبر فيه أن ما جرى خلال الدورة ليس سوى “ضجيج مفتعل” هدفه التغطية على عجز تدبيري واضح وحصيلة هزيلة.
البيان حمّل رئاسة المجلس مسؤولية الانزلاق الأخلاقي والمؤسساتي، معتبراً أن تحويل الدورة إلى “منصة للصراخ” واستهداف المعارضة يعكس إفلاسًا سياسيًا ومحاولة يائسة للهروب من النقاش الجدي حول اختلالات التدبير.
ومن أبرز النقاط التي فصّل فيها البيان، ما سماه الحزب بـ”الفائض الموهوم” البالغ 812 مليون سنتيم، مؤكداً أنه لا يعكس حكامة مالية، بل نتج أساساً عن زيادة استثنائية في حصة الجماعة من الضريبة على القيمة المضافة، وليس عن تنمية حقيقية للموارد الذاتية.
الأخطر، بحسب البيان، أن هذا الفائض تحقق على حساب تجميد اعتمادات خدمات أساسية، من بينها صيانة الطرقات، الإنارة العمومية، الفضاءات الخضراء، ودعم الجمعيات والرياضة، بينما تعيش المدينة واقع الحفر والظلام وتدهور الفضاءات العمومية
البيان توقف أيضًا عند ما وصفه بفضيحة أجور العمال العرضيين، حيث نُفدت اعتمادات قياسية تجاوزت 800 مليون سنتيم دون أن ينعكس ذلك على جودة خدمات النظافة أو صيانة الحدائق، مطالبًا بفتح تحقيق عاجل لترتيب المسؤوليات.
كما كشف الحزب عن تجميد مشاريع تفوق قيمتها 9 ملايير سنتيم، تشمل تأهيل الأسواق، المركب التجاري، المسبح الأولمبي، وتهيئة الطرقات والقناطر، معتبراً أن هذا الجمود ليس أزمة تمويل، بل أزمة كفاءة وغياب إرادة سياسية.
وبخصوص الوثيقة التي لوّح بها الرئيس الحالي، اعتبر الحزب أنها حجة عليه لا له، مؤكداً أنها تُظهر أن الرئيس السابق حاول معالجة الخصاص عبر “تطعيم الفصل” حماية لقوت العمال، في حين عجزت الرئاسة الحالية عن إيجاد حلول تقنية، ما أدى إلى حرمان العمال من أجورهم لشهرين.
وأمام هذا المشهد المتوتر، يبدو واضحًا أن مدينة الرشيدية لم تعد تحتمل سياسة ردود الأفعال ولا منطق تصفية الحسابات بين الماضي والحاضر، فالاستمرار في مناكفات سياسية عقيمة، مهما كانت مبرراتها، لا يخدم إلا تعميق الأزمة وإرباك ما تبقى من ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، يُطالب كلٌّ من حزب الرئيس الحالي سعيد كريمي وحزب الرئيس الأسبق بالخروج من دائرة الاستفزاز والتراشق، والانتقال إلى منطق التفاهمات السياسية الرصينة التي تضع مصلحة المدينة فوق الحسابات الحزبية الضيقة، فالرهان الحقيقي لم يعد من كان على صواب بالأمس، بل من يملك الجرأة على تصحيح المسار اليوم.
الرئيس الحالي، وهو على أبواب سنة انتخابية دقيقة، في حاجة ماسة إلى معارضة مسؤولة، نقدها مبني على الأرقام والبدائل، لا على الإثارة والشحن، معارضة تراقب وتحاسب، ولكنها في الآن ذاته تُسهم في بلورة حلول واقعية تخرج المدينة من حالة الجمود.
وفي المقابل، هو مطالب أيضًا بإحاطة نفسه بمستشارين لا ينامون مع الغنم ويأكلون مع الذئب، ولا يبدّلون مواقفهم حسب اتجاه الرياح السياسية، بل مستشارين همّهم الوحيد هو تنمية الرشيدية، والدفاع عن مصالح ساكنتها دون ازدواجية أو حسابات انتخابوية.
إن الرشيدية اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الصراخ داخل قاعة المجلس، بل إلى هدوء في القرار، شجاعة في الاعتراف بالأخطاء، وإرادة سياسية جماعية تضع حدًا لسنوات من التعطيل والفرص الضائعة.
فالتاريخ لا يرحم، والناخبون هذه المرة لن يصوّتوا على الشعارات، بل على من استطاع، وسط العاصفة، أن يجعل مصلحة المدينة بوصلته الوحيدة.
تعليقات الزوار