هبة زووم – الرباط
تعود إلى الواجهة، بين الحين والآخر، قضية ما بات يُعرف إعلاميًا بـ”ولد الفشوش”، كواحدة من أكثر القضايا التي هزّت الرأي العام وأربكت النقاش العمومي، ليس فقط لبشاعة الفعل الإجرامي الذي أودى بحياة الشاب بدر، رحمه الله، بل بسبب ما رافقها من محاكمات شعبية سبقت القضاء، ووزعت الأحكام قبل أن يقول القانون كلمته.
منذ انتشار مقاطع الفيديو الموثقة، اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي، وتحولت القضية من ملف قضائي إلى محاكمة مفتوحة على الفيسبوك وتويتر، حيث جرى اختزال الوقائع في توصيف اجتماعي جاهز: “ولد الفشوش”.
توصيف مشحون بالغضب، لا يستند إلى مسار التحقيق، بقدر ما يستثمر في الخلفية الاجتماعية للمتهم وكون والده رجل أعمال معروف، ليصبح الاسم وحده قرينة إدانة.
غير أن الحقيقة القانونية، الواضحة والتي لا تقبل التأويل أو الانتقائية، هي أن لا حكم قبل البحث، ولا إدانة قبل المحاكمة، فالقضاء وحده، وليس “الترند”، هو الجهة المخولة قانونًا لكشف الحقيقة، عبر تحقيقات الشرطة القضائية وتحت إشراف النيابة العامة المختصة، وفق مساطر دقيقة تضمن حقوق الجميع، ضحايا ومتهمين.
صحيح أن الفيديو وثّق لحظة اعتداء، لكن الفيديو ليس حكمًا قضائيًا، وتداوله خارج سياقه القانوني، مع ما رافقه من تضارب في محاضر الضابطة القضائية، واختلاف في بعض الشهادات، يفرض التريث لا التهييج، والتحقيق لا التشهير.
فالقضية، إلى حدود الساعة، لا تزال معروضة على القضاء، وكل ما يُروّج خارج هذا الإطار لا يعدو أن يكون اجتهادًا إعلاميًا أو انفعالًا جماهيريًا قد يخطئ بقدر ما يدّعي الدفاع عن العدالة.
إن ما يطمئن الرأي العام حقًا، ليس الصراخ ولا الضغط ولا حملات التشهير، بل استقلالية القضاء وقدرته على البت في هذا الملف وفق ما يمليه القانون والضمير القضائي، لا وفق ما تمليه عناوين مثيرة أو حملات إلكترونية خاضت في الملف من زاوية واحدة، دون الإحاطة بكافة معطياته، ودون انتظار ما قد يستجد من أدلة أو وقائع.
ويبقى السؤال الجوهري، الذي يجب طرحه بهدوء ومسؤولية: هل ستُفعل قرينة البراءة كما ينص عليها القانون؟ وهل سيُفسَّر الشك لفائدة المتهم، إن وُجد شك، كما هو مقرر في المبادئ الكونية للمحاكمة العادلة؟ أم أن ضغط الشارع سيحوّل المحكمة إلى مجرد جهة تصديق لأحكام صادرة سلفًا على منصات التواصل؟
لسنا هنا في موقع الدفاع عن أي طرف، ولا في موقع تبرير الجريمة، بل في موقع الدفاع عن العدالة ذاتها؛ عدالة لا تُدار بالغضب، ولا تُصنع بالهاشتاغات، ولا تُقاس بالألقاب الاجتماعية، بل تُبنى على الوقائع، والأدلة، واحترام ضمانات المحاكمة العادلة.
إن احترام القضاء، وتركه يشتغل بعيدًا عن الضغط، هو في حد ذاته إنصاف للضحية بقدر ما هو حماية لحقوق المتهم، فالقضاة، الذين يشتغلون في صمت ومسؤولية، لا يحتاجون إلى محاكم الشارع، بل إلى الثقة في أن العدالة، مهما تأخرت، لا يجب أن تُختطف.
وفي انتظار كلمة القضاء، يبقى الاحتكام إلى القانون، لا إلى الغضب، هو السبيل الوحيد لضمان عدالة حقيقية… عدالة للجميع، دون استثناء.
تعليقات الزوار