هبة زووم – الرباط
أثار إعلان محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، عن تفكير وزارته في إعداد مشروع قانون جديد بمثابة مدونة للاتصال السمعي البصري، في معرض جوابه عن سؤال للفريق الحركي بمجلس النواب، موجة من التساؤلات داخل الأوساط الإعلامية والحقوقية، ليس بسبب مضمون المشروع في حد ذاته، بل بسبب السياق الذي يطرح فيه، وسجل الوزارة في تدبير الملفات العالقة داخل قطاع الإعلام.
فالحديث عن “تنظيم المجال الرقمي” و”إنهاء الفراغ التشريعي” و”حماية القاصرين وصون حرية التعبير” يبدو، نظرياً، خطاباً متقدماً ينسجم مع التحولات العالمية التي فرضتها الثورة الرقمية.
غير أن الإشكال الجوهري يظل كامناً في المفارقة الصارخة بين هذا الطموح التشريعي، وبين واقع قطاع إعلامي يعيش منذ مدة في فراغ مؤسساتي غير مسبوق.
فراغ مؤسساتي قبل فراغ تشريعي
قبل التفكير في مدونة جديدة، لا يزال الرأي العام المهني يتساءل عن مصير المجلس الوطني للصحافة، الذي عجزت الحكومة، ووزارة التواصل تحديداً، عن إخراجه في صيغته الجديدة، تاركةً القطاع دون هيئة تنظيم ذات شرعية مهنية ودستورية.
الأخطر من ذلك، أن هذا الفراغ لم تُواكبه حلول انتقالية أو آليات مؤقتة لضمان الحد الأدنى من التنظيم والاستقرار، وهو ما فتح الباب أمام الارتباك، وتضارب التأويلات، واتساع منسوب الهشاشة داخل المهنة.
وفي هذا السياق، يبدو الانتقال السريع نحو تشريع ضخم ومعقّد، يهم المنصات الرقمية العالمية ووسائط التواصل الاجتماعي، بمثابة قفز على الأولويات، أو محاولة لتصدير نقاش جديد دون تصفية الحساب مع أعطاب الواقع القائم.
خطاب الحماية… ومخاوف الضبط
يرتكز المشروع، حسب ما صرّح به الوزير، على معادلة “التوازن بين حرية التعبير وحماية القيم المجتمعية والفئات الهشة، خصوصاً القاصرين”، وهي معادلة دقيقة وحساسة، لطالما استُخدمت في تجارب دولية مختلفة، أحياناً لضمان الحقوق، وأحياناً أخرى لتوسيع هامش الضبط والمراقبة.
فالتحذير من المحتويات العنيفة، وخطابات الكراهية، والأخبار الزائفة، والتهديدات المرتبطة بالخصوصية الرقمية، هو تشخيص سليم في عمومه.
غير أن التجربة المغربية تجعل المهنيين يتوجسون من أن تتحول هذه العناوين الفضفاضة إلى مداخل لتقييد حرية التعبير، خصوصاً في غياب ثقة متبادلة بين السلطة والفاعلين الإعلاميين.
السيادة الرقمية… أم توسيع سلطة الوصاية؟
يتحدث الوزير عن “ترسيخ السيادة الرقمية للمغرب” و”تحميل المنصات الأجنبية مسؤوليات واضحة”، وهو طرح مشروع من حيث المبدأ، لكنه يطرح سؤال القدرة الفعلية للدولة على فرض تنظيم ناجع على شركات رقمية عابرة للحدود، في مقابل احتمال أن يُطبق هذا التشدد أساساً على الفاعلين المحليين، صُنّاع المحتوى، والصحافة الرقمية الوطنية.
فالخوف الحقيقي ليس من النص القانوني في حد ذاته، بل من كيفية تنزيله، ومن الجهة التي ستملك سلطة التأويل والمراقبة، في ظل فراغ مؤسساتي وتنظيمي لم يُحل بعد.
أي إصلاح دون ثقة؟
إن أي حديث عن إصلاح منظومة الإعلام والاتصال، سواء تعلق بالإعلام التقليدي أو الرقمي، يظل فاقداً لجزء كبير من مصداقيته ما لم يُبْنَ على معالجة أعطاب الحاضر: إعادة الاعتبار للتنظيم الذاتي الحقيقي، إنهاء حالة الفراغ داخل المؤسسات المهنية، مع إشراك الفاعلين الإعلاميين والحقوقيين في صياغة التشريعات، لا الاكتفاء بإخبارهم بها.
فالتشريع، حين يسبق الثقة، يتحول من أداة تنظيم إلى أداة ضبط. ومن هنا، فإن مدونة الاتصال السمعي البصري، إن كُتب لها أن ترى النور، ستكون اختباراً حقيقياً لنية الدولة: هل هي حماية الفضاء الرقمي أم إعادة رسم حدوده السياسية؟
تعليقات الزوار