هبة زووم – حسن لعشير
في مشهد اجتماعي صادم، لا يليق بحرمة شهر رمضان ولا بتاريخ العمل النقابي والاجتماعي، استقبل ثمانية عمال بشركة النقل الحضري المعروفة بناقلات الريف بمدينة تطوان أول أيام رمضان لسنة 2026 بقرار طرد مفاجئ، أنهى مساراً مهنياً امتد لأكثر من ثلاثة عقود، دون إشعار مسبق، ودون توضيح قانوني، وبدون أي اعتبار للبعد الإنساني أو الاجتماعي.
العمال المطرودون، الذين قضى بعضهم أزيد من 31 سنة في خدمة الشركة، توجهوا صباح أول يوم من رمضان إلى الكراج لمباشرة عملهم كالمعتاد، قبل أن يصطدموا بواقع صادم: الكراج فارغ، الحافلات نُقلت، والعمل انتهى دون سابق إنذار. هكذا، وبجرة قرار، تحولوا من أجراء إلى عاطلين، بذريعة تفويت الشركة إلى مالك جديد.
ذريعة “تفويت الشركة” لا تُلغي، قانوناً ولا أخلاقاً، حقوق الأجراء، ولا تبرر رميهم خارج دورة الشغل، خاصة حين يتعلق الأمر بعمال أفنوا زهرة أعمارهم في خدمة مرفق حيوي يمس الحياة اليومية للمواطنين.
فالقانون واضح في مسألة استمرارية عقود الشغل عند تفويت المقاولات، لكن ما جرى بتطوان يطرح أكثر من علامة استفهام حول احترام هذه القاعدة.
الواقعة خلّفت حالة من الخوف والاحتقان في صفوف باقي المستخدمين، الذين باتوا يعيشون على وقع سؤال واحد: من التالي؟
فإذا كان الطرد قد طال زملاء قضوا 30 سنة في العمل، فما الذي يضمن لباقي العمال عدم تكرار السيناريو نفسه، في غياب أي تواصل رسمي أو ضمانات مكتوبة من الإدارة الجديدة؟
الأكثر إثارة للقلق أن عملية البيع تمت بشكل مفاجئ، رغم أن الشركة تعود ملكيتها لرجل أعمال معروف بمدينة تطوان، ويُصنّف ضمن أعيانها، وهو ما يضاعف من حدة الصدمة: كيف يُدار ملف اجتماعي بهذه الحساسية بمنطق الصمت والتجاهل؟ وأين هي المسؤولية الاجتماعية للمقاولة، خاصة في قطاع حيوي كالنقل العمومي؟
الملف لا يتعلق فقط بثمانية عمال، بل يمس مبدأ الأمان الوظيفي وكرامة الشغل في المدينة، فحين يُصبح مصير الأجير معلقاً بصفقة تفويت لا يعلم عنها شيئاً، فإننا أمام خلل بنيوي في حماية حقوق الشغيلة، وليس مجرد “حادث عرضي”.
وفي اتصال أجرته جريدة هبة زووم بإدارة الشركة المعنية، تعذر الحصول على أي توضيح بخصوص حيثيات التفويت، أو الوضعية القانونية للأجراء المطرودين، أو مصير مستحقاتهم، ما يزيد الغموض ويُعمق الإحساس بالحيف.
ويبقى السؤال المطروح اليوم بإلحاح: أين هي المندوبية الإقليمية للشغل بتطوان؟ وأين دور مفتشية الشغل في حماية حقوق عمال وجدوا أنفسهم مطرودين في أول يوم من رمضان، بعد 30 سنة من العمل؟
إن الصمت في مثل هذه القضايا ليس حياداً، بل انحياز غير معلن ضد الطرف الأضعف، فإما أن يتم فتح تحقيق جدي يضمن حقوق الأجراء ويُرتّب المسؤوليات، أو يُكرَّس منطق مفاده أن سنوات العطاء يمكن أن تُمحى بقرار إداري مفاجئ.
ما حدث في تطوان ليس مجرد خبر اجتماعي عابر، بل ناقوس خطر حول هشاشة حقوق العمال، وحول الحاجة الملحة لتدخل حازم يضع حداً لمنطق “الطرد السهل” باسم التفويت والاستثمار.
تعليقات الزوار