هبة زووم – إنزكان
خرج عامل عمالة إنزكان أيت ملول، صباح الأربعاء 18 فبراير الجاري، في جولة ميدانية بسوق الثلاثاء، في زيارة وصفتها الجهات الرسمية بـ”التفقدية” للاطلاع على وفرة المواد الغذائية واستقرار الأسعار مع اقتراب شهر رمضان، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة على أرض الواقع: هل كانت هذه الخرجة مجرد “لقطة إعلامية” للكاميرات، أم خطوة حقيقية لحماية جيوب المواطنين؟
فالساكنة لم تعد تقبل بـ”الجولات المصوّرة” التي تنتهي بمجرد رحيل الوفد الرسمي. تحتاج إلى أفعال ملموسة، ولجان مراقبة تعمل فعلياً، وعقوبات رادعة تطال كل من سولت له نفسه المضاربة في قوت المواطنين، وما دون ذلك، لن يكون سوى ضحك على ذقون الساكنة واستخفاف بمعاناتها اليومية.
لا يُنكر أحد حق المسؤول في تفقد الأسواق والوقوف على واقع التموين. لكن ما يُثير الاستغراب والغضب هو السيناريو المعتاد الذي يُعاد إنتاجه كل سنة: جولة مُعلنة مسبقاً، مما يسمح للمخالفين بإخفاء مخالفاتهم مؤقتاً، ووفد رسمي ضخم يصحبه مصورون وصحفيون، في مشهد أقرب إلى “العرض الإعلامي” منه إلى “المراقبة الميدانية”، وتصريحات مطمئنة حول “وفرة المواد” و”استقرار الأسعار”، تتبخر بمجرد انتهاء الجولة.
هذا التباين الصارخ يطرح سؤالاً وجودياً: لماذا تُنظم الجولات الميدانية إذا لم تكن ستُحدث تغييراً حقيقياً في السوق؟ فبعد رحيل العامل، تعود الأسعار للارتفاع، ويعود المضاربون لممارساتهم، بينما تبقى “الصور” شاهدة على زيارة لم تُغير من واقع المواطن شيئاً.
كان الأجدر بعامل العمالة، بدلاً من الاكتفاء بجولة إعلامية، أن يُخرج لجان المراقبة من مكاتبها ويحثها على العمل الميداني الحقيقي. المطلوب هو مراقبة يومية غير مُعلنة، تضبط المخالفين على حين غرة، وفرق متنقلة تغطي كل أحياء إنزكان، وليس فقط السوق الرئيسي، وعقوبات فورية تُطبق في حق كل من يثبت تورطه في المضاربة، ونشر أسماء المخالفين، كرادع للآخرين الذين يفكرون في استغلال رمضان.
فالسؤال المحرج: لماذا تظل لجان المراقبة “حبيسة المكاتب” بينما المواطن يُضطر لشراء مواد بأسعار مُضاربة؟ أين هي الحماية الفعلية التي وُعد بها المواطن خلال هذه الجولة؟
لا تُعد المضاربة في أسعار المواد الغذائية الأساسية خلال رمضان مجرد “مخالفة إدارية عابرة”. إنها جريمة اقتصادية واجتماعية تمس مباشرة كرامة الأسر وقدرة الآباء على توفير القوت لأبنائهم. فحين يرتفع سعر الزيت، السكر، الدقيق، أو اللحوم دون مبرر اقتصادي حقيقي، فإننا لا نتحدث عن “قانون العرض والطلب”، بل عن استغلال مُبيّت لظرفية استهلاكية استثنائية.
هذا الواقع يطرح إشكالية جوهرية: لماذا لا تتحرك السلطات بصرامة ضد من يضارب في قوت المواطنين؟ ولماذا تُترك الفرصة للمستغلين لرفع الأسعار بمجرد انتهاء الكاميرات؟
استخدم المواطنون عبارة “ضحك على الذقون” للتعبير عن شعورهم العميق بالإحباط من “الجولات الرسمية” التي لا تُحدث تغييراً حقيقياً. وهذه العبارة، رغم قسوتها، تعكس فقدان الثقة بين المواطن والمسؤول، فكيف يُتوقع من المواطن أن يثق في “جولة ميدانية” تُنظم مرة واحدة قبل رمضان، بينما يعرف أن المضاربين سيستغلون الشهر بأكمله دون رادع؟
أصوات الساكنة واضحة: “كل سنة ونفس الأفلام.. جولة، صور، تصريحات، ثم نرجع للمعاناة”، و”العامل يشوف السوق ويمشي، والمضارب يضحك ويكمل طريقو”، هذه الأصوات لا تُعبر فقط عن “غضب لحظي”، بل عن أزمة ثقة عميقة تحتاج إلى معالجة جذرية، لا إلى “ترقيعات إعلامية”.
أمام هذه الوضعية، تبرز مجموعة من الأسئلة المشروعة التي تستدعي إجابات شافية: لماذا تُعلن عن الجولات الميدانية مسبقاً، مما يسمح للمخالفين بإخفاء مخالفاتهم؟ وكم عدد فرق المراقبة العاملة يومياً في أسواق إنزكان خارج “الجولات الرسمية”؟ وكم مخالفة ضبطت في رمضان الماضي؟ وكم منها أدى إلى عقوبة فعلية؟ ولماذا لا تُنشر أسماء المخالفين المُدانين بالمضاربة، كرادع للآخرين؟
في النهاية، لم تعد ساكنة إنزكان تقبل بـ”الوعود الرسمية” و”الجولات المصوّرة”. تحتاج إلى عمل ميداني حقيقي يحمي قدرتها الشرائية ويضع حداً للمضاربة. فإذا كان عامل العمالة جاداً في حماية المواطنين، فلا بد من خطوات ملموسة تتجاوز “لقطة الكاميرا”: مراقبة يومية غير مُعلنة، تضبط المخالفين في الفعل، وعقوبات رادعة وفورية، تُطبق دون محاباة أو تأجيل، وشفافية في الأسعار، بإعلان سعر مرجعي يومي للمواد الأساسية.
مواطن إنزكان لا يحتاج إلى جولات مصوّرة ووعود رسمية. يحتاج إلى أسعار معقولة، ورقابة حقيقية، وعقوبات رادعة لمن يضارب على قوته. فإما عمل شجاع يُنقذ القدرة الشرائية للمواطنين، وإما استمرار في “الضحك على الذقون” الذي يُفقد الثقة ويُعمق الفجوة بين المسؤول والمواطن، والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الشجاعة ليقول: كفى لاستغلال قوت الأسر.
تعليقات الزوار