وزير الأوقاف يُقر بـ”هشاشة” أطر التعليم العتيق ويبرر عدم التجديد بـ”تقييم موضوعي” مثير للجدل

هبة زووم – الرباط
في جواب على سؤال برلماني، كشف أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، عن واقع مقلق تعيشه الأطر التربوية العاملة بمؤسسات التعليم العتيق على المستوى الوطني، مؤكداً أنها “لا تتمتع بصفة الموظف العمومي”، وتزاول مهامها في إطار “نظام الساعات” بتكليف سنوي قابل للتجديد أو عدمه، مقابل “تعويض مالي جزافي” لا يترتب عنه “أي حق مكتسب في الاستمرار”.
هذه التصريحات، رغم “شفافيتها” الظاهرية، فتحت باباً واسعاً من الجدل والنقد، خاصة في ظل الحديث الحكومي المتزامن عن “تأهيل التعليم العتيق” و”تشجيع الإقبال عليه”، فكيف يُراد “تأهيل قطاع” بينما أطره الأساسية تُعامل بـ”عقود مؤقتة” و”حقوق هشة”؟
هذا، وأكد الوزير التوفيق أن الأطر التربوية بالتعليم العتيق تزاول مهامها “في إطار نظام الساعات، وفق تكليف سنوي محدد المدة قابل للتجديد أو عدمه”.
هذا الوصف، رغم دقته الإدارية، يُترجم على أرض الواقع إلى انعدام الاستقرار الوظيفي، حيث لا يعرف المدرس مصيره بعد كل سنة دراسية، وغياب الحقوق الأساسية كالتأمين الصحي الكامل، والتقاعد المضمون، والترقية المهنية الواضحة، ناهيك عن التبعية الإدارية المطلقة، حيث يكون التجديد أو عدمه بيد “التقدير الإداري” دون معايير شفافة ملزمة.
هذا التباين يطرح سؤالاً وجودياً: كيف يُتوقع من مدرس أن يُؤسس “جودة تربوية” بينما هو نفسه يعيش في “هشاشة وظيفية”؟
وأضاف الوزير أن هؤلاء الأطر “يُصرف لهم تعويض مالي جزافي طبقاً للمقتضيات القانونية”، دون أن يترتب عن ذلك “أي حق مكتسب”. هذه العبارة، رغم قانونيتها، تحمل في طياتها إهانة ضمنية لمهنة التدريس، حيث أن “جزافي” تعني غير مرتبط بالأقدمية، لا بالجهد، لا بالكفاءة، و”لا حق مكتسب” تعني أن المدرس يُعامل كـ”مؤقت” حتى بعد سنوات من العطاء، و”داخل سقف الاعتمادات” تعني أن الحقوق مرهونة بـ”الميزانية” لا بـ”الاستحقاق”.
فالسؤال المحرج: كيف يُراد من جيل من المدرسين أن يُربي أجيالاً على “الكرامة” و”الاستقرار” بينما هم أنفسهم محرومون من أبسط مقومات الكرامة المهنية؟
واستشهد الوزير بحالة مدرس بتازة لم يُجدد تكليفه، مبرراً ذلك بـ”تقييم موضوعي ومعلل، مؤسس على تقرير التفتيش التربوي”، هذا التبرير، رغم وجاهته النظرية، يطرح إشكاليات عملية: من يضمن حيادية “تقرير التفتيش” في ظل غياب طعن مستقل؟ وأين هي شفافية “المعايير” التي على أساسها يُقرر التجديد أو عدمه؟ ولماذا لا يُعلن عن هذه المعايير للمعنيين قبل التقييم؟
فحين يُترك “التقدير الإداري” دون ضوابط شفافة ملزمة، فإن الباب يُفتح أمام التعسف، المحسوبية، أو حتى الانتقام الشخصي، تحت غطاء “الجودة التربوية”.
وفي سياق متصل، صادق المجلس الحكومي على مشروع مرسوم يهدف إلى “تأهيل التعليم العتيق” عبر تحسين مكافأة العاملين ومنح دراسية للتلاميذ.
هذه الخطوة، رغم إيجابيتها، تظل قاصرة إن لم تُرافقها إصلاحات جذرية في وضعية الأطر، حيث أن تحسين المكافأة المالية دون منح صفة الموظف العمومي يبقى تحسيناً ظرفياً لا استقراراً هيكلياً، والمنح الدراسية للتلاميذ دون ضمانات وظيفية للمدرسين قد تؤدي إلى جذب التلاميذ بينما تهاجر الكفاءات.
فكيف يُراد “تشجيع الإقبال” على التعليم العتيق بينما أطرافه الأساسية (المدرسون) يعيشون في “هشاشة” تدفعهم للهجرة نحو قطاع أكثر استقراراً؟
وأمام هذه الوضعية، تبرز مجموعة من الأسئلة المشروعة التي تستدعي إجابات شافية: لماذا لا تُمنح لأطر التعليم العتيق صفة الموظف العمومي أسوة بزملائهم في التعليم النظامي؟ وما هي المعايير الدقيقة والشفافة التي على أساسها يُقرر تجديد التكليف أو عدمه؟ وكيف تضمن الوزارة حيادية “التقييم التربوي” في ظل غياب جهة طعن مستقلة؟ ومتى سيتم ربط “التعويض الجزافي” بالأقدمية والكفاءة لضمان عدالة التحفيز؟ ولماذا لا يُعلن عن “دليل إجرائي” يحدد حقوق وواجبات الأطر التربوية بالتعليم العتيق؟ وكيف توفق الوزارة بين خطاب “تأهيل القطاع” وواقع “هشاشة أطره”؟
وينص الدستور المغربي في فصله 31 على أن “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في: الحصول على شغل، والدعم من طرف السلطات العمومية في البحث عن منصب شغل، أو التشغيل الذاتي”.
كما يؤكد الفصل 32 على أن “تعمل الدولة على ضمان تكافؤ الفرص، ولجميع المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، حق ولوج الوظائف حسب الاستحقاق”.
فحين يُحرم مدرس بالتعليم العتيق من “صفة الموظف” و”الاستقرار الوظيفي”، بينما يُؤدى نفس المهام بنفس الكفاءة، فإن السؤال الدستوري يفرض نفسه: أين يقع الحد الفاصل بين “التدبير المرن” و”المس بالحقوق الأساسية”؟
في النهاية، لم تعد تصريحات وزير الأوقاف حول أطر التعليم العتيق مجرد “توضيح إداري”. إنها اختبار حقيقي لإرادة الدولة في تأهيل القطاع من جذوره، لا من شعاراته.
فإذا كانت الوزارة جادة في “تأهيل التعليم العتيق”، فلا بد من خطوات ملموسة تتجاوز “تحسين المكافأة”: منح صفة الموظف العمومي للأطر التربوية المستوفية للشروط، ضماناً للاستقرار والجودة، وإصدار دليل إجرائي شفاف يحدد معايير التقييم والتجديد والطعن، لحماية الحقوق ومنع التعسف. وربط التعويض بالأقدمية والكفاءة، لتحفيز الاستمرار والتميز المهني، وإشراك النقابات والمهنيين في وضع رؤية إصلاحية تشاركية للقطاع. ومراجعة الميزانية المرصودة للقطاع لضمان استدامة الإصلاح، لا ترقيعه.
مدرس التعليم العتيق لا يحتاج إلى “تعويض جزافي” يُذكره بهشاشته. يحتاج إلى كرامة مهنية، واستقرار وظيفي، وحقوق مُضمونة تُكرس انتماءه للقطاع.
فإما إصلاح شجاع يُنقذ التعليم العتيق من “هشاشة أطره”، وإما استمرار في “تأهيل الشعارات” الذي يُهدد بجودة المردود وهجرة الكفاءات. والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الشجاعة ليقول: كفى لهشاشة تُضعف رسالتنا التربوية.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد