هبة زووم – أحمد الفيلالي
الجديدة، تلك المدينة التي تقع وسط المغرب، ليست فقط نقطة على الخريطة، بل حالة من الألم اليومي الذي يعيشه سكانها بلا انفراج يُذكر، ففي عهد العامل صالح دحا، تتصاعد أصوات السكان مطالبة بأكثر من “وعود رسمية”، في وقت تتحول فيه “المهادنة” إلى “صراخ” من واقع مرير يعكس فجوة صارخة بين الخطاب التنموي والواقع الميداني.
تُعرف الجديدة بأنها مدينة الطبقات الوسطى والفقر المتداخل، حيث يُمكن أن تجد الفيلات الفارهة بجانب الأحياء العشوائية، التي تبدو وكأنها منسية من طرف كل شيء، حتى من طرف الزمن نفسه، هذا التباين الصارخ يطرح سؤالاً وجودياً: لماذا تتعايش “رفاهية الأقلية” مع “بؤس الأغلبية” في مدينة واحدة؟
في الجديدة، تواجه الأسر أعباء الحياة بثقل لا يُحتمل، من انعدام فرص الشغل إلى خدمات صحية وتعليمية لا تليق حتى بقرية صغيرة، المدارس تئن تحت وطأة الاكتظاظ وقلة الموارد، والطرق الرئيسية في حالة مزرية، تشبه المتاهات التي تبتلع سيارات وأرجل المارة على حد سواء.
فالسؤال المحرج الذي يفرض نفسه: أين تذهب ميزانيات التنمية المعلن عنها، بينما واقع الخدمات يزداد تدهوراً؟ وكيف يُتوقع من المواطن أن يثق في “المشاريع الكبرى” بينما هو عاجز عن عبور طريق آمن أو إيجاد قسم دراسي لائق لأبنائه؟
رغم كل هذا، الجديدة تحمل في قلبها أناسًا لا يستسلمون، ينتظرون بصبر طويل أن يُشرق الفرج، ويناضلون في صمت على فرص بسيطة للحياة الكريمة، إنها مدينة تحمل حكايات النضال، حيث يصنع الناس من الألم قوة، ومن الظلمة بصيص أمل.
ومع ذلك، فإن الصبر له حدود، فأصوات السكان لم تعد همسات، بل تحولت إلى مطالب واضحة: “ننتظر منذ سنوات وعوداً لا تتحقق، بينما حياتنا اليومية تزداد صعوبة”.
هذه الأصوات لا تُعبر فقط عن “غضب لحظي”، بل عن أزمة ثقة عميقة بين المواطن والمسؤول، تحتاج إلى معالجة جذرية، لا إلى “تقارير رسمية” تُطوى في الأدراج.
اليوم يُجمع متتبعو الشأن المحلي على أن الجديدة عاشت خلال السنوات الأخيرة على إيقاع “وعود تنموية” كبرى، لكن الواقع يُترجم بمرارة أكبر: مشاريع مُعلنة لا تُنجز، اعتمادات مالية لا تنعكس على الخدمات، وتقارير “إيجابية” لا يراها المواطن في حياته اليومية.
هذا التناقض يطرح إشكالية جوهرية: لماذا تتحول “الوعود” إلى “أوهام” بينما المعاناة تزداد؟
أمام هذه الوضعية، تبرز مجموعة من الأسئلة المشروعة التي تستدعي إجابات شافية من العامل صالح دحا: ما هي الخطة الاستعجالية لمعالجة الاكتظاظ المدرسي وتحسين جودة التعليم بالجديدة؟ لماذا تستمر الطرق الرئيسية في التدهور رغم الميزانيات المرصودة للصيانة؟ ما هي الإجراءات الملموسة لخلق فرص شغل للشباب في ظل ارتفاع معدلات البطالة؟ كيف تضمن السلطات تكافؤ الفرص بين الأحياء الراقية والعشوائية في ولوج الخدمات؟ومتى سيتم نشر تقارير دورية وشفافة حول تقدم المشاريع التنموية المعلنة؟
في النهاية، لم تعد معاناة سكان الجديدة مجرد “أخبار محلية”، إنها اختبار حقيقي لقدرة السلطات على ترجمة الوعود إلى أفعال، فالجديدة تمثل حالة من أشد حالات المعاناة التي تكابدها العديد من المدن المغربية، نموذجًا لما يمكن أن يُحسن لو أخذ حقه من التنمية والاهتمام بدل أن يُترك للحظة عابرة في صفحات التقارير الرسمية.
فإذا كان العامل صالح دحا جاداً في إنقاذ المدينة، فلا بد من خطوات ملموسة: خطة استعجالية لمعالجة الاكتظاظ المدرسي، برنامج طارئ لإصلاح الطرق، مشاريع تشغيل حقيقية، وعدالة مجالية في توزيع الخدمات.
مواطن الجديدة لا يحتاج اليوم إلى وعود جديدة، يحتاج إلى مدرسة لائقة، وطريق آمن، وفرصة شغل كريمة، فإما أفعال شجاعة تُنقذ المدينة من المعاناة، وإما استمرار في “الوعود المتبخرة” التي تُعمق الفجوة بين المسؤول والمواطن، والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الشجاعة ليقول: كفى وعودا لا تتحقق.
تعليقات الزوار