اليحياوي ينتقد قرار وزارة الداخلية: حين تُرفع “الحيادية” لطمس الرمزية الدينية وتُترك كرامة الموتى للانتهاك

هبة زووم – الرباط
أثار قرار لوزارة الداخلية يقضي بإزالة العبارات الدينية من سيارات نقل الموتى، وعلى رأسها “لا إله إلا الله محمد رسول الله” و”نقل أموات المسلمين”، موجة جدل واسعة، لم تتوقف عند حدود النقاش الإداري أو التقني، بل لامست عمق الأسئلة المرتبطة بالهوية والرمزية والكرامة.
وفي هذا السياق، كتب الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي تدوينة نقدية لاذعة، وُصفت بأنها من أقسى ما كُتب في مساءلة هذا القرار.
ويرى اليحياوي أن وزارة الداخلية “أجابت عن سؤال لم يطرحه أحد”، حين برّرت حذف العبارات الدينية بضرورة احترام معتقدات باقي المغاربة من يهود ومسيحيين وملحدين ولادينيين.
فهؤلاء، حسب التدوينة، لهم طقوسهم الخاصة، ومقابرهم، وكيفيات دفنهم المستقلة، ولا يعتمدون أصلاً على سيارات نقل الموتى التابعة للجماعات، ولا على منظومة الدفن الإسلامية من غسل وكفن وتأبين.
وبلغة مباشرة، اعتبر اليحياوي أن تحويل هذه المبررات إلى “قرار دولة” لا يعكس حساً عملياً ولا ضرورة اجتماعية، بقدر ما يعكس نزوعاً شكلياً إلى “حياد مُفترض”، يُطبَّق في غير موضعه، وعلى حساب رمزية دينية متجذرة في مجتمع غالبيته الساحقة مسلمة.
ما يثير غضب اليحياوي، ليس فقط حذف العبارات من سيارات نقل الموتى، بل المفارقة الصارخة بين هذا الحرص “الانتقائي” على الحياد، وبين الواقع المزري الذي تعيشه مقابر المسلمين في عدد كبير من مناطق المغرب.
ففي مقابل مقابر اليهود والمسيحيين، التي تُصان وتُسيّج وتُحترم، تعاني مقابر المسلمين، بحسب وصفه، من الإهمال، وانتهاك حرمة القبور، وتحولها إلى فضاءات للرعي، والتبول، والدوس، والعبث.
هنا، تتحول المسألة من مجرد قرار إداري إلى سؤال أخلاقي عميق: كيف تُرفع شعارات التجرد والحياد، بينما تُنتهك كرامة الموتى يومياً في صمت؟ وأي دولة هذه التي تُنقّح العبارات على السيارات، لكنها تعجز عن حماية القبور من التخريب والإهمال
تدوينة اليحياوي تذهب أبعد من الشكل، لتضع الإصبع على جوهر الإشكال: كرامة الإنسان، حياً وميتاً، فالدول، في نظره، لا تُقاس بمدى “تحييد” عباراتها، بل بمدى احترامها لحرمة الإنسان بعد وفاته، وصون قبره كما لو كان حياً يُرزق.
ومن هنا جاء توصيفه القاسي بأن “خير أمة أخرجت للناس” لم تتجسد في واقع يحترم الموتى، بل في أمم تكرم الإنسان في حياته وبعد مماته.
التدوينة، في عمقها، ليست هجوماً لغوياً بقدر ما هي مساءلة سياسية وأخلاقية لوزارة الداخلية: هل الأولوية اليوم هي تغيير العبارات، أم إصلاح واقع المقابر؟ هل المطلوب هو إرضاء حساسيات هامشية، أم حماية كرامة الأغلبية التي تُنتهك قبورها يومياً؟
أسئلة يطرحها اليحياوي بحدة، واضعاً صانع القرار أمام مرآة غير مريحة، تعكس فجوة كبيرة بين القرارات المكتبية والواقع الميداني
ما أثاره اليحياوي يعيد النقاش إلى مربعه الحقيقي: الإصلاح لا يكون بتجميل الشعارات ولا بحذف الرموز، بل بمعالجة الاختلالات العميقة التي تمس كرامة الإنسان، أما الاكتفاء بقرارات شكلية، فلن يُقنع مجتمعاً يرى قبور موتاه مُهانة، مهما تغيرت العبارات على سيارات نقلهم.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد