كلميم: زمن التملّص من قول الحقيقة أو حين تتحول “السياسة” إلى فن المراوغة في عهد الوالي أبهاي

هبة زووم – كلميم
في كلميم، باتت عبارة “السياسة كذب وافتراء” متداولة على نطاق واسع في الأحاديث اليومية، تُستعمل كخاتمة جاهزة لأي نقاش سياسي عابر، وكأنها تلخيص مكثّف لعلاقة المواطن بالفعل السياسي. هذه المقولة، رغم بساطتها الظاهرة، تحمل دلالات خطيرة؛ إذ تفترض ضمنيًا أن السياسة نقيض للأخلاق، وأن الكذب ليس استثناءً بل قاعدة، بل قد يُنظر إليه كأداة “مشروعة” لتحقيق المصالح والمناصب.
هذا التمثّل الشعبي للسياسة لا ينشأ من فراغ، بل يتغذى من ممارسات يومية تعمّق الهوة بين الخطاب الرسمي وواقع الناس، ففي زمن كانت فيه الصحافة تحسب نبض الشارع، وتوثّق معاناة المواطنين، وتكشف اختلالات التدبير العمومي، وُجدت – ولو بحدّها الأدنى – مساحة للتنفّس والنقاش، غير أن هذه المساحة أخذت في التقلص، في ظل مناخ إداري وسياسي لا يبدو متسامحًا مع النقد أو كشف الحقيقة.
في سياق تدبير الشأن المحلي خلال ولاية الوالي أبهاي، يطفو على السطح سؤال قديم–جديد: هل السياسة بطبيعتها مجال للكذب والافتراء؟ أم أن الممارسة السياسية الرشيدة تستدعي حدًّا أدنى من الفضيلة الأخلاقية والصدق مع المواطن؟
إن تبرير “الكذب السياسي” بدعوى حماية الاستقرار أو تحقيق المصلحة العامة، غالبًا ما يخفي سعيًا وراء مكاسب شخصية أو هوسًا بالسلطة وجاذبية المواقع.
وحين يصبح التملّص من قول الحقيقة ممارسة اعتيادية، يفقد الخطاب السياسي مصداقيته، ويتحوّل إلى مجرد أداة لإدارة الصورة لا لمعالجة الواقع.
كانت الصحافة، في فترات سابقة، تُوصَف بالسلطة الرابعة، تراقب وتساءل وتكشف، أما اليوم، فقد تراجعت هذه الوظيفة في كثير من السياقات، لتحلّ محلها صحافة ترويجية ممولة، تُغرق الرأي العام بعناوين من قبيل “نجاحات استثنائية” و”إصلاحات تاريخية”، في وقت تُغلق فيه المنابر المستقلة، وتُحاصر الأصوات الناقدة، ويُستعاض عنها بخطاب التبرير والتطبيل.
هذا التحوّل لا يضر فقط بحرية التعبير، بل يساهم في تكريس ثقافة سياسية قوامها الإنكار بدل الاعتراف، والصورة بدل الحقيقة، ومع تراجع الصحافة النقدية، يفقد المواطن إحدى أهم أدواته لفهم ما يجري باسمه، ولمساءلة من يدبّر شؤونه.
اليوم يمكن القول على أن الإشكال الحقيقي ليس في ترديد مقولة “السياسة كذب وافتراء”، بل في تحوّلها إلى قناعة راسخة لدى الناس، فحين تُغلق نوافذ الحقيقة، وتُسمَّر أبواب النقد، لا يعود مستغربًا أن يسود الشك، وأن تتآكل الثقة بين المواطن والمؤسسات.
ما تحتاجه كلميم، كما غيرها من المدن، ليس مزيدًا من الخطاب المنمّق، بل شجاعة قول الحقيقة، وفتح المجال أمام صحافة مستقلة ونقاش عمومي مسؤول، فبدون ذلك، ستظل السياسة تُرى كفنّ للمراوغة، لا كأداة لخدمة الصالح العام.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد